التغيرات البنيوية الحاصلة في المجتمع الرحماني لسنة 2012 “أوصياء حركة 20 فبراير ابن جرير ..انتبهوا إلى مخاطر الطريق”
لأن شروط النقاش العلمي و الناضج أضحى صعب المنال ، ولأن حركة 20 فبراير كرست ثقافة جديدة ، مفادها أن لاشيء يغمسه الطين ..فقد آثرت أن أخصص هذا المقال في بلاد بريس ، وأيضا ليكون جسر نقاش موضوعي بيننا وبين كل المحترقين و الطواقين إلى الحرية و العدالة و الكرامة الاجتماعية ..ويبدو أنني سأستكمل النقاش من حيث انتهى المناضل محمد الساسي في عرضه يوم الجمعة 19 دحنبر 2012، وهي دعوة للنقاش المنظم و العاقل لكل من ينسب نفسه إلى حركة 20 فبراير ابن جرير ، ولكل من يتأوه حزنا على أسئلة أزمتها الحارقة وواقعنا المأزوم.
مبررنا الوحيد أننا ضقنا درعا بالوشوشات أو بالحيرة البادية على مناضلين صادقين لكن تعوزهم الحيلة للفعل ، وأيضا التزاما منا بضرورة تبرير صمتنا و هزيمتنا أمام الجماهير التي كانت تساندنا عشية الاحتجاجات .و حذرا مما تحفل به أجندات المخزن من هجوم قاحل في المرحلة .
ذاتيا : التغيرات البنيوية للمجتمع الرحماني 2012
يفيد هذا المقال في رصد المتغيرات التي لم يستوعبها كل مناضل ، مؤمن وجدانيا بقضيته وغير مفجر لطاقته العقلية ، كما يفيد في رصد أهم التطورات الحاصلة في بنيات النضال الاجتماعي و السياسي و الحقوقي ،وأيضا التطورات الحاصلة في محيطه العمراني و المجالي و الاقتصادي و الثقافي، ولاشك أن هذا التشخيص لن يختلف فيه اثنان ، يشترط فيهما التحليل العلمي و المتابعة الحيوية لمتغيرات الحياة الاجتماعية و السياسية و الثقافية ، ونوجزه في العناصر التالية :
- انحصار الأحزاب المحلية : فالبام تعرض لضربة موجعة بسبب الربيع المغربي ، لكنه استفاد محليا من هيمنته على المؤسسات العمومية و الخاصة و الجمعوية المهنية . ساعده في ذلك ، ذوبان الأحزاب القديمة في حمى محاولة استيعاب هجر التاريخ لها ، أما الأحزاب التقدمية فتنقلات أعضائها و هرم قيادتها و عدم تجديد خطابها ، انتهى بها إلى تمركزها في يد أفراد لا جماعات منظمة ، بينما عانى مناضلو اليسار الجدري من مرض اليسار الطفولي وعدم استيعاب المراجع و التطورات (تحيين النظرية والممارسة لاستيعاب الواقع الملموس ) أما الجماعات الإسلامية ، فلم يكتب للتيار السلفي أن يتبلور ميدانيا في حركة 20 فبراير كما حدث في البيضاء ، بينما تراجعت جماعة العدل و الإحسان خطوتين إلى الوراء ، بعد سوء تقدير لانخراطها في الحراك الاجتماعي …
إنها مجرد إطلالة عابرة ، تختصر واقع حال جميع هذه المكونات السياسية إلى جانب المستقلين التائهين ، لترسم العناوين العريضة للتحولات العميقة و المؤثرة في حلبة الصراع مستقبلا .
- العمل الجمعوي و الثقافي وإستراتيجية البناء : بعد أفول حركة 20 فبراير ، ظهرت سيناريوهات متعددة في الفهم و الفعل ، فعلى مستوى البناء بدأت الجمعيات الهولدينغ ، أي الممولة من قبل المؤسسات العمومية و المقربة من حزب البام في ابتلاع المجالات الخصبة للاستقطاب ، كما لم تعد تتوانى في بلورة مشاريع لا يخضع تمويلها للسؤال ، و شكلت الزيارة الملكية مقياسا عمليا حول حقيقة الاستعدادات.
بينما غاصت الجمعيات الحقوقية في موت مقيت ، أو ارتبطت مفاتيحها بأفراد رهنوا التنظيم الحقوقي و النقابي بتقديراتهم الفردية و المزاجية .. كما سجل المرحلة ولادة منظمة حقوقية جديدة في شخص العصبة ، أما العمل الثقافي فمن أصل أزيد من 280 جمعية بابن جرير ولد مركز الدراسات و التثقيف الذاتي بالمغرب ، في محاولة للرهان على المدخل الثقافي بعد أن عجز العمل السياسي و الحقوقي عن بلورة جيل واع بمهامه . أما الدائرة النقابية فتشتتها و انتهازية بعضها و الانشقاقات الضمنية في بعض أركانها لا يفسح المجال لأي إمكانية تقويم مستقبلية أو تجميع لقواها الفعلية .
- المحيط و المجال : اقتراب دائرة الاحتجاج بشكل غير مسبوق من ابن جرير ، ففي القرى و الدواوير و المدن القريبة : اليوسفية و قلعة السراغنة و مراكش ونواحيهم . تنتعش حركة متفرقة ، غير ممركز ، عفوية ، سكانية اجتماعية .
موضوعيا : التغيرات الحاصلة في تكتيكات المخزن ..
“الإصلاح و تحويل الاحتقان السياسي من خارج المنظمات الجماهيرية إلى داخلها” ، انه شعار أساسي في فلسفة المخزن ، و المقصود هنا بالتكتيكات ليس عبارة نحصرها في شخص مسؤول أو جهاز ما ، بل هو فسيفساء من التدابير أنتجت تكتيكات ترتبط بحالة المد و الجزر في فعل الاحتجاج والوعي بالمهام أي الاستمرار في تكريس ” فرق تسد ” .
قبل انتخابات 2007 ، عمل المخزن في منطقة الرحامنة على حرق كل المقدمات الطللية لديمقراطية الواجهة ، و التعامل بخشونة إزاء الجماهير وتنظيماتهم الذاتية، ودافع باستماتة عن أرباب الفساد، وساهم في كبح أي سياسة تنموية، لكن لنتفق انه بعد الحراك الاجتماعي الذي عرفته المنطقة، و هاجس العودة القوية لحزب الهمة بمسمى جديد، جعل قانون اللعبة يتغير شكلا، فأغدق ممثلوا الحزب على خصومهم و على مناصريهم، بوضع مسافات سياسية مرنة، تسمح بممارسة النقد ولكن ليس كل النقد، وتبني سلسلة إصلاحات، كان الهدف من خلفها امتصاص الغضب و إحداث نوع من الإجماع على التجربة بالمقارنة مع التجربة التي سبقتها …فدشنت سلسلة إصلاحات ..يختلف في توصيف خلفياتها كل حسب انتمائه الإيديولوجي وصدقية تحاليله .
بالمقابل، احتوى المخزن الذراع المفترض لحركات الاحتجاج الاجتماعي: فمن جهة أغدق بامتيازاته الهشة على الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، التي غالبا ما شكلت بتحالفاتها أداة للتحريض الجماهيري في الأحياء و الهوامش، بينما نسج علاقات مرنة مع عمال السميسي، كرست الإقرار بواقع خطوط حمراء وجب الانضباط لها، فعزلها بذلك عن محيطها، و رمى بها في ظلمات الاتفاقيات الهشة . كما حول المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى رزنامة امتيازات لاتخضع للمتابعة و المراقبة بقدر ما تخضع للولاء و للحظ ..وفي أكثر من لحظة لم يتوان في استعمال آلية القمع، ليرسل إشارات قوية إلى من سولت له نفسه التوهم بحقيقة الديمقراطية …إن المخزن لا يزال قائما وإن مفهوم الدولة الحديثة لا يزال في مختبر الثورات وربيع المغرب المنتظر .
ثم أفرز طبقة جديدة، بورجوازية ريعية، تعتمد على المضاربات العقارية، و الامتيازات السياسية التي توفرها منطقة النفوذ هنا أو هناك، مع تغيير استراتيجي في تربص الفساد، فبعدما كانت كل الأنظار تتركز على الفساد الحاصل في المجلس الجماعي، تم تغيير وجهة الفعل في مجالات أخرى، تتوخى تمتين تواجد هذه الطبقة دون أخرى على حساب إستراتيجية التنمية القادمة .
بالمقابل أيضا، عملت الإطارات المعنية بالنضال، أو لنقل ممثلي الإطارات على خوض حروب بائدة، تافهة، نزقة، دمرت وحدة الشمل، وفككت وصايا لقمان حول التضامن و الانسجام و الاتحاد و مفهوم ممارسة الاختلاف الذي أضحى ” يفسد للود قضية ” .
ما العمل ؟ : فهم الأخطاء الثمانية القاتلة لمكونات حركة 20 فبراير :
بقدر ما أبانت مكونات حركة 20 فبراير ابن جرير ( المستقلة ، اليسارية ، الإسلامية ، العشرينية) على قدرتها على التعايش و التضحية و العطاء إبان انتشاء الحركة، بقدر ما أبانت عن نقيض كل هذه القيم ، في فترة الأفول و الضعف ، فسقطت في مستنقع الذاتية المفرطة و الارداوية العمياء في التغيير، دون استحضار للشرط الموضوعي الكمي و النوعي في سيكولوجية الجماهير ، وبذلك عجزت عن تجاوز أخطائها القاتلة ، ونوجزها بموضوعية وتجرد كاملين :
- لم يستوعب قسم عريض منها ، ان حركة 20 فبراير بابن جرير ختمت مرحلة منها ، وان التاهل للمرحلة الثانية تقتضي جهدا طويلا ومضنيا ، ومن ثم مداخل اخرى فيها اختلافات ، لكن تظل خيارا وحيدا .
- لم تستوعب مكونات كثيرة ، وهي تنتقد بعضها البعض ، أن خلفيات النقد لا تعبر عن أزمة في الحركة فقط بل في الناطقين باسمها ، وأن كيل الاتهامات و النقد وتحميل المسؤوليات لكل المضحين ، ليس بالأمر الصائب ، فالنقد كان ولازال يفتقد إلى تحليل الشق الموضوعي المتمثل في استنفاد الحركة لمهامها المرحلية ، في أفق انبعاثها الطبيعي .، وأن عملية الجلد الذاتي المقيتة و المازوشية لن تبعث الفعل النضالي من الرماد بقدر ما تساهم في إضعاف الأنوية الرئيسية للنضال .
- لم تستوعب مكونات كثيرة ، أن تغيير مكون لتكتيكاته ، ليس عيبا أو مشكوكا في نزاهته ، فالمطالبة بإعادة بناء المنظمات الجماهيرية، ليست ترفا فكريا أو رغبة في مراكمة امتياز بل الحاجة إلى التدخل الواعي في واقع موضوعي و ابتكار أساليب أخرى مرنة لا تفسد للود قضية….وأن حقيقة لوك الكلام في المقاهي لن يفيد شيئا في بعث حركة الفعل الحقوقي و السياسي ، فالحملات المضللة التي تهدف إلى تمزيق الصف لن تفيد إلا المخزن ولن تخدم بكل تأكيد إلا تكتيكاته واستراتيجياته .
- لم تستوعب مكونات الحركة أن المدخل لإعادة تأهيل حركة 20 فبراير بالمدينة ، يقتضي الانكباب على دراسة المحيط السوسيوثقافي ، ويقتضي الاتصاف بالجرأة و نبذ العدمية في تقييم أداء الآخر للتمكن من نيل ثقة الجماهير ، وأن توجيه أصابع الاتهام يقتضي عملا مضنيا للتقصي و تطوير تقنيات الحملات .
- لم تستوعب مكونات الحركة أن عجزها في الاستقطاب و التسليح الفكري و السياسي لشباب في عز التجربة ، هو إقرار بفشل آليات العمل النخبوي وضرورة تطوير لآليات التواصل .
- لم يستوعب الجميع أن مرحلة هامة من المتغيرات البنيوية تحصل في ابن جرير وفي غياب استيعابها ستضيع كل ممكنات التدخل و التغيير .
- لم يستوعب الجميع أن هناك مقاربات أخرى في تحليل الظاهرة و الأزمات الحاصلة في نخب ابن جرير مثلا : كالتركيبة النفسية للفاعلين ، ومركبات إخفاقاتها ونجاحها ، البيئة المترعرعة فيها ، ومستواها الثقافي وقدرتها على التحليل و الفهم ، مدى ارتباطها العضوي و الفكري مع مرجعية ايديولوجية ، ارتباطها بالزعاماتية ، عشقها للظل بدل الفعل …الخ
- لم تستوعب أخطائها جميعا ، فكيف تستوعب آليات تدخلها .

