خطاب عشرين غشت، أو ميثاق الراعي والرعية. شكل الخطاب طلقة رصاصة قاتلة للعمل السياسي في المغرب، ووأدا لكل التنظيمات السياسية والحزبية التي تشكو اساسا من نفور المواطن منها، فالملك وهو يعلن أنه لا ينتمي لأي حزب وجه رسالة إلى كل المغاربة الى انتهاج نهجه.
بقلم:عبد العزيز العبدي
لا يمكن فصل خطاب العشرين من غشت، بمناسبة عيد ثورة الملك والشعب، عن خطاب العرش الذي ألقاه الملك في 30 من شهر يوليوز، إذ أن هذا الأخير، عدد فيه المنجزات التي حققها خلال 14 سنة من تربعه على عرش المملكة، في مجالات عديدة، من التجهيز إلى الفلاحة، مرورا بالقضاء والسياسة الخارجية، وغيرها من القطاعات، والتي نسب فيها كل النجاحات إلى سياسته الرشيدة، حتى تلك التي تحققت في السنتين الأخيرتين من تفعيل الدستور الجديد، باعتبار أن الحكومات هي حكومات صاحب الجلالة، وأن السياسات التي تنفذها هي أجرأة فقط للبرنامج الملكي تحت عنوان التوجيهات المولوية السديدة، أو السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة…. كان الغائب عن الإنجازات التي وردت في خطاب العرش السابق، هو قطاع التعليم، وهو ما خصص له موضوع خطاب العشرين من غشت، والذي لا يمكن فصله عن ملاحظتين اساسيتين: 1. فصل الخطاب عن أي ظرفية سياسية داخلية أو خارجية، وذلك بتغييب الحديث المباشر (وسنعود إلى الحديث غير المباشر) عن ما عرفه المغرب تحت يافطة فضيحة العفو الملكي الذي كان بطلها دانيال كالفان، والتي فجر غضبا شعبيا عارما، وضع لأول مرة القصر في مواجهة المواطن منذ 14 سنة مما يسمى العهد الجديد. وتغييب الأوضاع الإقليمية خاصة ما يقع في مصر. 2. الحديث عن معضلة التعليم بمناسبة ذكرى تهم ما بقي من أحزاب الحركة الوطنية اساسا، ونعني حزب الإستقلال، الاتحاد الاشتراكي وما تفرع عنهما من دكاكين سياسية، بالإضافة إلى القصر. فصل تشخيص وضع التعليم الأسود عن المنجزات الوردية في خطابين لهما دلالة سياسية واضحة، كل ما هو إيجابي ووردي فهو منسوب إلى شخص الملك وكل ما هو أسود وقاتم فهو بسبب تخبط الحكومات المتعاقبة وسوء إدارتها، ولا يمكن جمع الوردي الملكي مع الأسود الحكومي … مع أن الجميع يعلم أن الحكومات المتعاقبة، سواء في ظل العهد الجديد أو القديم، بدستور هذا الأخير، الجديد والقديم منه، لم تكن سوى مجموعة موظفين عموميين، مهمتهم تنفيذ البرامج التي تسطر داخل دهاليز الديوان الملكي، بتنسيق مع ممثليهم في الوزارات، ودون استشارة الوزير المعني، مما يجعل من معضلة التعليم، معضلة نظام ودولة وليس معضلة حكومة سواء الحالية أو السابقة…. لعل ميزة الخطاب إقراره بسوء وضع التعليم، وهو إقرار متأخر، لأن واقع التعليم قد طفى إلى السطح منذ منتصف الثمانيات في عهد الملك الراحل، ومنذ ذلك الحين لم تشفع له كل السياسات الترقيعية من أجل معالجته، لسبب بسيط هو الإمتناع عن توفير إرادة حقيقية من أجل منح ابناء هذا الوطن تعليما كفيل بصياغة شخصية المواطن الحر والمستقل… إن التأكيد في الخطاب، وهو ما قصدنا به الحديث غير المباشر، على دور المدرسة في تتبيث قيم التعلق بالثوابت والمقدسات، كاف لرصد الغايات من قطاع التعليم من المنظور الملكي، وجواب على الدعوات المتكررة من أجل إلغاء الكثير من هذه “الثوابت” التي لا تساير العصر، ومنح المغاربة نظاما تعليميا حراً ومحرراً. خارج موضوعه الرسمي، وهو التعليم، شكل الخطاب طلقة رصاصة قاتلة للعمل السياسي في المغرب، ووأدا لكل التنظيمات السياسية والحزبية التي تشكوا اساسا من نفور المواطن منها، وعزوفه عن ممارسة السياسة، فالملك وهو يعلن أنه لا ينتمي لأي حزب، وأنه لا يشارك في أي انتخابات، دون الإشارة إلى وضعه السياسي كملك للجميع، وأن هذا الوضع هو ما يمنعه من ذلك وأنه بالعكس يدعو للانخراط في الأحزاب، هي رسالة إلى كل المغاربة، والذي يعتبر الملك قدوتهم وأبوهم الروحي، إلى انتهاج نهجه، والانتماء إلى حزب المغرب الكبير، حزب الملك، ونبذ كل الأحزاب السياسية المتواجدة، وهي ليست هفوة خطابية، بقدر ما تبطن ذلك التوجه الذي بدأ ينسج خيوطه على المشهد السياسي برمته، كونه أنه لا حاجة لنا بالأحزاب ولا بالسياسة، فنحن الرعية القطيع من الأكباش، يقودنا الراعي بكل حكمة وتبصر، يعرف بشكل جيد مصلحتنا… مصلحتنا الممتدة من التسمين إلى محل الجزارة.
المصدر:كود المغرب بلا زواق

