مشاهد محلية من مسرحية وطنية

0

  

 

عبد الغفار الموفق الادريسي

الفصل الأول

 المشهد الأول : المكان : أمام عمالة الرحامنة ، الزمان : خميس ما …

معطلات يحملن لافتة الفرع المحلي تحت أشعة الشمس الحارقة، أصواتهن تتماهى مع صرخات رفاقهن المبحوحة في سمفونية عذبة.  قنينات ماء تؤثث المكان و تكسر بين الفينة و الأخرى رتابة اللحظة عبر رشفات متقطعة تروي الحناجر العطشى . في الفضاء تخيم أحلام منكسرة ممزوجة بغبن دفين يغذي مشروعية الاستمرار. غير بعيد عن المكان تنتصب هامات رجال التدخل السريع غير آبهة بالشعارات الصادحة.  يومئ كبيرهم بإشارة عسكرية خفيفة فيتحسسون عصيهم في حركات موحدة تبدو لا إرادية، ثم ينطلقون ليكونوا حلقة متماسكة  حول الشباب، يلتحق بهم بضع رجال من القوات المساعدة ليسدوا فرج الحلقة . تتصاعد وتيرة الشعارات : القمع لا يرهبنا و القتل لا يفنينا … اقتلوني مزقوني … شوفوا المخزن العبقري … يتوسط ”  القيدوم ” الحلقة و بعد تحية الشهداء و المعتقلين يبدأ برباطة جأش، في سرد  كم الوعود التي قدمها العامل و الرئيس و غيرهم و يصف  بدقة كيف تبخرت و كيف استعاض المسؤولون عنها بالقمع حينا و التنكيل و التجاهل أحيانا أخرى . لكنه لا ينسى الصمود ، و الإصرار.

يعي المراقبون جيدا بأن هؤلاء المحتجين أفنوا أعمارهم في التعلم و التحصيل ليظفروا بشهادة تضمن لهم شغلا و حياة كريمة، و يعلم الجميع أنهم ليسوا من هواة الصراخ . لكن الكل يتعامى عن مآسيهم و تردي أوضاعهم النفسية و الاجتماعية . شغلوهم ، أنقذوهم ، ولا تصموا آذانكم فقد سمعتموهم غير ما مرة يصيحون “عشتي بزاف … عشتي بزاف … خلينا نعيشوا شويا … ” . ستار

 المشهد الثاني : المكان : أمام دار الشباب بن جرير . الزمان : أحد ما …

شباب حركة 20 فبراير يتهيئون لاختتام وقفتهم الاحتجاجية، يتناهى إلى أسماعهم شعارات مدوية آتية من جهة الغرب . معطلو المدينة و عمال السميسي ريجي على مشارف الساحة . يلتئم الجمعان فتتوحد مأذبة النضال معلنة فجر يوم جديد . تشرئب الأعناق كلما أخذ أحدهم الكلمة لينفلت صوت الظلم من عقاله في اتجاه جيش المخبرين و المقدمين الذين غصت بهم جنبات الساحة . يبدو التعب على بعض العمال من فرط ما انتظروا : نظموا الوقفات و المسيرات ، تحاوروا ، تنفسوا غبار الفوسفاط من على ركام أتربته ، و أخيرا اعتصموا بعد أن أخلف المسؤولون وعودهم .

تعرفون أنهم بضع عشرات يستحقون الإنصاف ففيم انتظاركم و مماطلاتكم . ستار ( يفتح ثانية )

غادر المخبرون إلا واحدا . غادرت صحافة الشاشة . نقاش بسيط بين المناضلين يتحول إلى مانشيت على صفحة أحدهم ، إخبار كاذب مليء بالمغالطات و الزيف ، يتحدث فيه صاحبه عن الإساءة و الضخامة من فرط ما عشعشت النحافة و الضحالة في عقله و فكره . يفتح الشرطي المجتهد تحقيقا على إثره . ستار

 المشهد الثالث : المكان : مقرات الأحزاب و الجمعيات . الزمان : بعد الفتح الفؤادي …

بعد الدستور الممنوح ، فتحت بعض الدكاكين الغريبة أبوابها ، باعت الوهم للبسطاء ، بعضها حقق ربحا صافيا و دون اسمه في السجل التجاري ، و بعضها ” تكردع ” فخر مغشيا عليه أو انزوى حينا من الدهر في انتظار فرج لا يأتي . و البعض الآخر فتحت شهيته فاستبق الآخرين ليفتح دكانا لماركة رائجة مؤخرا . وحدهم المقاطعون بشبابهم و شيوخهم  أصروا على أنفتهم و عنفوانهم و لم ينصاعوا ، ففازوا بصك تجاري أصيل لا يبلى و لا يخضع لقانون المالية الرسمي .

مر فؤاد يوما ما من هنا فأحدث عاصفة هوجاء لا تبقي و لا تذر إلا من رحم ربك . ستار ( تنهار بعد ذلك الخشبة ).

                                             مارس 2012

m

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.