شارع مولاي عبد الله بابن جرير، الحلقة المفقودة في الازمة المركبة للفراشين

0

 

يعتبر شارع مولاي عبد الله، المعروف اختصارا” بالشارع ” أحد أهم الروافد و المحركات الاقتصادية بمدينة ابن جرير على غرار باقي الشوارع و الأحياء، اذ يعرف كل مساء حركة و رواج غير عاديين، على امتداد 1000 متر تقريبا، انطلاقا من الجهة الغربية للمركب التجاري و الملعب البلدي، و انتهاءا عند القنطرة المؤدية الى حي افريقيا من الجهة الشرقية.

يعد “الشارع” كما هو معروف عند العامة كبيرها و صغيرها، من أقدم الشوارع بالمدينة،  خاصة  تموقعه  وسط أكثر الأحياء كثافة سكانية إبان الثمانينات، وهو “الدوار الجديد”،  قبل تغيير اسم  هذا الأخير و ترقيته من  دوار  إلى  حي،  فتغيير المسميات لا تغير من الحقائق شيئا،  اذ أن الحي  يتسم  بمواصفات و ميزات خاصة، نقيضة ميزات الدوار،  لا سيما الجانب البانورامي و الجمالي و ما يتعلق  بالبنية التحتية، الذي يفتقد لمساتها “الحي الجديد”،  منذ اعتلاء  و تعاقب أل الشعيبي  سدة تسيير المجلس و الى الفترة الراهنة لتسيير الهمة.

 فترة الثمانينات،  شهد “الشارع” نشاط اقتصادي ضعيف،  بحكم وجود  قطب اقتصادي مهم داخل المدينة، يعرف  بسوق ” اشطيبة “، و الذي  كان سيكون نقطة سوداء بالمدينة، يضاهي أعرق كاريانات  دور الصفيح  بالمغرب، قبل عملية إحراقه عن بكرة أبيه، حيث بقيت عملية  الإحراق  لغزا  تتقاسمه  الأجيال، و كان الى حد ما التمفصل الكبير و المنعطف الرئيسي في تحريك الدينامية الاقتصادية ” للشارع “، اذ باتت تلوح المؤشرات  في اتجاه تشكل نواة تجارية جديدة، سرعان ما عرفت  انتعاشا بوتيرة متسارعة، بحكم نزوح جل   التجار و الحرفيين الذين فقدوا محلاتهم و سلعهم إثر الحريق النكبة، الذي لم يخلف و راءه سوى الرماد، مما انعكس على الحياة الاجتماعية لأغلبية الضحايا بالسلب، مسببا أسر و عائلات تغوص في أعماق العوز و الفقر، بعد فقدان مورد عيشها، و حرفيين مشردين، لا إلى هؤلاء، و لا إلى هؤلاء. رغم بناء المركب التجاري البلدي، مكان الأرض المحروقة، و الذي  علقت عليه  الآمال، لكنه ظل عالقا  رهين النسيان و الرفوف لسنوات، حيث شابت عملية تفويت المحلات التجارية شائبة من الغموض و الإلتباس  فيما يخص الأجرأة القانونية لهذه التفويتات، و أحقية المستفيدين و فقا لدفتر التحملات، اذ صب المتنافسون من كل حذب و صوب، و تدفق المستفيدون من كل فج عميق،  و بقي منكوبوا ” اشطيبة ” خارج مضمار الاستفادة،  بعضهم توفي و البعض الأخر يفترش “فراشة” يتوسد الرصيف أمام المركب، ينعي حاله، ويرثي  تكالب الزمان، مستعرضا شريط الذكريات،  مستهزءا من حظه التعس،  حرمانه “دكانه” المفترض، و تعويضه بفراشة و ضيعة، بعدما أهداه الى أخرين غرباء، لا يمتون ل “اشطيبة ” بصلة لا من قريب و لا من بعيد، و لا يفوتنا في معرض الحديث عن المركب التجاري البلدي، الاشارة الى بعض الخروقات التي شابت كناش التحملات، منذ  اللمسات الأولى  لطور التشييد، و مرورا بعملية تفويت المحلات، اذ استفاذ بعض الاشخاص، بأكثر من محل تجاري، و تحويل محلات أخرى الى مقاهي، رغم أن المقهى الوحيد المنصوص عليه بدفتر التحملات توجد و سط المركب، من هنا  ينبعث السؤال الجوهري عن الجهة المسؤولة و المخول لها منح تراخيص فتح تلك المقاهي، في خرق سافر للمقتضيات القانونية، كما تتساءل فئة عريضة من  تجار الخضر و الفواكه بالجملة عن مأل و مصير محركات الثلاجاث المخصصة لحفظ الخضر و الفواكه، في غياب أي تحقيق قضائي من شأنه الكشف عن هوية سارقيها، هذا ما تراءى للعيان أما ما خفي كان أعظم.   

و مع تزايد التوسع العمراني و النمو الديمغرافي، بات يشكل ” الشارع ” بنية سوسيولوجية معقدة،  تجمع فئات مجتمعية مختلفة، في تقارب اجتماعي و اقتصادي بنيوي، و بقراءة تشخيصية لمرتادي هذا العالم، يمكن الخروج باستنتاجات أولية حول طبيعتهم، و بدون  الغوص في المستور، و استنادا لشهادة مجموعة من التجار، تبين أن نسبة 25 بالمائة من المرتادين تشكل نسبة المتبضعين خاصة من النساء، و النسبة الباقية يشكل لها ” الشارع ” متنفسا و مسرحا لعرض الأزياء لكلا الجنسين، و ركنا للتعارف. بحيث أصبحت زيارته يوميا  فرض عين للبعض، و سنة مؤكدة للبعض الأخر، رغم الازدحام و الاكتظاظ الشديدين، بحيث لا تجد موطأ قدم، إلا تحت رحمة الاحتكاك، و ما أدراك ما الاحتكاك.

 لعب توالي سنوات الجفاف بالرحامنة، في ظل تنكر المسؤولين المحليين و الإقليميين  للمشاكل الرئيسية للقرويين، و التي تتمثل خاصة في قلة وفرة العلف للماشية و ارتفاع أثمنتها بالسوق الداخلية، و الغياب الشبه التام للدعم و الإعانات، و التي تعرف عملية توزيعها، اذا كتب له الوجود، انتقائية، تعتمد مبدأ المحسوبية و الزبونية..من تنامي ظاهرة الهجرة القروية، التي كان لها الدور الطلائعي في  تفاقم  أزمة البطالة، في ظل انعدام وحدات انتاجية و صناعية، توفر فرص و مناصب شغل حقيقية، مما يفند الادعاءات و الشعارات السياسوية  في المناسبات الانتخابوية، اذ بات يشكل شارع مولاي عبد الله، القبلة و الملاذ الوحيد، لكل من المهاجرين و المعطلين من حاملي الشواهد و السواعد، على حد سواء، للتخلص من شبح العطالة، اذ يكفي مبلغ 2000 درهم كرأسمال، لمزاولة نشاط معين، لا ينفك عن بيع الخضر أو الأواني المعدنية و البلاستيكية أو الملابس الداخلية و الخفيفة للنساء، مما لا يستدعى بالضرورة التوفر على محلات تجارية، بقدر ما يحتاج الى رقعة أو “فراشة” لا تتجاوز بضعة أمتار، يعرض عليها بضاعته، مما أدى الى تناسل ظاهرة “الفراشة”، التي تنبث كالفطر بشكل ملفت، مستغلة الشارع العام، الذي يعد احتلالا للملك العام، أعتبره بعض أرباب المحلات التجارية و أصحاب النقل ” سيبة ” ما بعدها ” سيبة “، تحت أعين و رعاية السلطة، بحيث يشتكي التجار من منافسة شرسة لأصحاب الفراشة،  الذين لا يتوانون في خفض أثمنة و أسعار المنتوجات و البضائع، مما  ضرب عليهم طوقا من التضييق ، انعكس عليهم بالسلب، مسببا كساد تجارتهم، في ظل ارتفاع المصاريف الكرائية و الواجبات الضريبية، و ردا على أصحاب المحلات ، يرى ” الفراشة”، أنهم لا يشكلون أي مشكل و أن الأرزاق بيد الله، و لكل زبائنه، كما يؤكدون أن  الفضل   يرجع لهم، في تحريك الرواج  التجاري الذي يعرفه الشارع، و الذي عاد بالنفع على أصحاب المحلات بعدما كانوا ” كينشوا الذبان “.

دشنت السلطات المحلية سنة2007، بقيادة العامل السابق لاقليم قلعة السراغنة، حملة تمشيطية خطط لها بدقة و سطرت أهدافها و فق أجندة محددة، تزامنا مع دخول الهمة للرحامنة، بالضغط على المستفيدين من المحلات التجارية بالمركب التجاري البلدي، بالالتحاق بمحلاتهم، لخلق رواج و دينامية اقتصادية بالمركب، و إخلاء “الشارع” من الفراشة بتوزيع بعض المحلات التجارية التي انجزت خارج  كناش تحملات المركب، كحل بديل للفراشة، إلا أن عدد الباعة المتجولين فاق عدد المحلات بكثير، لينتهي الأمر بحسر السلطة للائحة نهائية لباقي المستفيدين و السماح لهم مؤقتا   ببناء براريك، في انتظار  إنجاز شطر جديد من المحلات التجارية، والتي تم أنجازها منذ  سنة تقريبا، في حين  ما زالت حالة الترقب و الانتظار تسود عملية توزيعها، اذ أفاد بعض الفراشة أن رائحة الزبونية و التلاعب في اللائحة بدأت تفوح في الأفق، اذ حسرت لائحة جديدة، على أساس الولاء السياسي، أقصيت فيها بعض الأسماء المندرجة باللائحة الأولى و أقحمت أخرى جديدة محسوبة على بعض الجهات، لتنضاف الساحة  الأمامية للملعب البلدي، التي تمت تهيئتها مؤخرا،  الى حظيرة الاماكن المخصصة لاحتضان الباعة المتجولين و التخفيف من الضغط على المحلات الحديثة التشييد.

تبقى  قضية “الفراشة” ،  قضية جوهرية  تؤرق بال المسؤولين، لكنها تبقى مرتبطة في كنهها  بالمزايدات  السياسية،  اذ  تتطلب حلول اجرائية جريئة،  و دراسات استباقية، بعيدة عن الاستغلال السياسي للقضية، و استئصالها   من جذورها ، التي باتت تعرف تزايدا مهولا. رغم  الوعاء العقاري المخصص لمحاربة الظاهرة، و الحلول المطروحة، تبقى لا تستجيب لطموحات و تطلعات الفراشة ، و استيعاب جحافلهم التي لا تنتهي، خصوصا بعد  تداول بعض الأنباء داخل الدوائر الحضرية و  الإقليمية،  عن إعادة هيكلة وتهيء شارع مولاي عبد الله،  و تحويل هندسة تصميمه  من شارع إلى ساحة أميرية على طراز ساحة ” لبرانس” المقابلة لجامع الفنا بمراكش، كما تشير التصاميم المخصصة لذلك بعمالة الإقليم.

مسك الختام

لا شك أن تدبير و تسيير الشأن العام الرحماني، عانى لعقود عديدة من تجبر و تسلط رجالات السلطة و المنتخبين، اذ عرفت مجموعة من المرافق الحيوية، تسييرا عشوائيا و منهجية اقصائية، تعتمد اقصاء المواطن من المقاربات التشاركية التي من شأنها المشاركة في بلورة حلول قضاياه و انشغالاته، و هذا ما تظهر  ملامحه في أفق عملية توزيع المحلات التجارية و الساحة المخصصة “للفراشة” أمام الملعب البلدي، ان لم تتدخل على الخط يد أمينة و مشهود لها بالنزاهة، للضرب على أيادي العابثين بمصائر العباد، لحد الأن لا يوجد أحسن من عامل الإقليم للعب هذا الدور الطلائعي و التحكيمي، كما تتنتظر الساكنة الكثير منه للتحرك و ارجاع العديد من الأمور الى نصابها. 

    

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.