قبل 20فبراير إن حاولتم التذكر معي ، كان المغرب قبل هذا التاريخ يعج بالكثير من الصور التي لم تعد جميلة ، أو لنقل من الصور التي لم تكن جميلة ، حاولوا التذكر ، ضعوا أيديكم على رؤوسكم ،حاولوا إغماض عيونكم ، تذكروا جيدا ما كان من أوضاع هذا البلد الذي يردد فيه السياح عادة ، كلما هبطت طائرة بمطارات النواصر أو المنارة combien le Maroc est beau ، تقابله ابتسامة دافعي العربات من المنهكين والعمال في تلك المطارات ،وهي هكذا إلى أخر مواطن يتسكع في طرقات المغرب ممن يتلقون ابتسامات الأجانب على أرصفة دولة غارقة في الويلات .
كثيرا ما سحر الأجانب بنبل أخلاق المغاربة ، وسحرتهم موائده وعاداته وجمال شواطئه وعراقته وتاريخانيته ، ولكن رغم ذلك كان المغرب قبل 20 فبراير يشبه العالم العربي بكل تجلياته ، كانت مصر وتونس هي البلدان التي ساد فيها الظلام بعد الغسق الخفيف،و ارتفع فيها صوت المقهورين والمهمشين ،كان صوتا مدويا ، فوصل إلى المغرب المثخن بالتناقضات وعرى عن جبل الهشاشة وعرى عن القاع .
كانت الطبقة السياسية قد انخرطت في كل شيء بعد الاستقلال ، وبعد حكومة التناوب ، وبعد زمن العهد الجديد ، انخرطت في بيع الفعل السياسي للأعيان وأضحت المكاسب والكراسي تصنع الثروة وتباع بالمال ، كان الوضع عكس ابتسامة السياح ، كان المغاربة كالقابض على الجمر ، كان المواطن المفتخر ببلده يفهم أنه لا يستطيع غير ذلك لأنه لا يستطيع رفع صوته وقول لا، كان غطاء الخوف والمنع هو بضاعة الأيام من شمال المغرب إلى جنوبه ، كان فقط السائح الأجنبي المتحضر من يستطيع التصوير والأكل والشرب بشراهة وممارسة أفعاله ونزواته بكل المدن وأحيانا بالنهار ، صور البلجيكي السرفاتي مع بنات أكاد ير بلا حياء في أوضاع شاذة تم غادر ، كان الأجنبي يرى في المغرب المتعة فيما كان المغاربة مجندين في فيالق الخوف والجبن ، كان المغرب بعد عبد الرحمان اليوسفي وبعد التناوب وبعد بشارة معارضي النظام يتوقون إلى الخلاص من المحنة، ولكنهم سقطوا ضحية هذا “اليسار” ، كان المواطن منهكا متعبا فقيرا ، كانت المدن تعج بالفوارق وبماسحي الأحذية وبالضوضاء وبالهامش وبالمومسات والشواذ ، ارتفعت أحزمة الفقر وكثرت الزبالة والعطالة ، اكتظت المدن والأرياف ، وامتلأت مدن المغرب وأزقته بمختلف مناقب الدول المتخلفة ، كان الوضع منخنقا إلى أبعد الحدود، وكانت المؤسسات الصحية معطلة والوضع الاجتماعي متفسخ ، كثرة البطالة والجريمة وانتشر ” لحيطانيست ” ، كانت فرص الشغل منعدمة والحقوق مهضومة ، مع أن المغرب قد تصالح وأعد تقرير الخمسينية ، وزفت البشارة بتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي لو اطلعت عليها لوليت منها فرارا ورعبا لما تضمنته من مبادئ الدولة الديمقراطية ، كان المغرب يريد المصالحة فعوض الناس وصنع المعجزة ؟؟ كان المغاربة لا يستطيعون التعليق وقول لا على كل تلك الصور الموغلة في البؤس ، كنا ندرك أنفسنا وكنا لا نستطيع الإيمان بأننا الأسوأ في القارة السمراء رغم زيف الإعلام والثرثرة على التلفزيون ، وفجأة وحينما تبين أنه لا مناص من التصريح العلني بلا للحكرة لا للهامش لا لكل أنواع الإستبلاد والاستبداد ، ولا بالملايين من الشعارات والأناشيد والمدن التي غصت وامتلأت في يوم كان هادئا في صباحه ، يوم وقفت العصافير فيه عن الزقزقة فوق السطوح ، ووقف الجميع لتصريف مكبوتات من القهر والغبن الذي يعرفه المغاربة ولا داعي لشرحه .
كان يوم 20 فبراير مشهودا التفت الساق بالساق ، و هللت الأصوات طاردة للخوف وسقط القناع وظهر أن المغرب الذي تمناه الأجانب جميلا مشمسا لا يصلح للعيش ، وتبين أن الخدعة التي مارسها الأجنبي بتفاهته في المقاهي والحارات بمراكش وفاس وطنجة ، وتبضعه من المحلات والبازارات لا تكفي المغربي لشراء الرغيف ، نعم لقد سقط جدار الخوف إلى لا عودة مع 20 فبراير ، كان المغرب يغلي والعالم العربي يطبخ ، كانت خارطة العرب تعيش القيامة ،لم يكن أحد يدرك أن الصمت سيتحول إلى صداع للكبار ، لم يعد أحد يخاف من أحد ،وحدها حركة 20 فبراير في المغرب من تقرر ،بدأت الأحلام تكبر وبدأ المغاربة يحتفلون ، وانتهت ابن جريركذلك إلى مسرح للمسير في الشوارع ،واستسلم المخزن واستجاب القدر، وتفتقت عبقرية الإنسان الرحماني للتعبير، وعبر الناس كثيرا كثيرا ، تبين في فترة قليلة أن المغرب قطع أشواطا غير صحيحة إلى حين الصدام بجبل الجليد كما حصل مع “التيتانيك” ، كانت ابن جرير هي الأخرى دليل أن الإنسان يمكنه أن ينتصر ، وأن بقاء الحال من المحال ، خرجت وجوه وأنشدت ونسقت وليتها نسقت ،كان الطرح يشتد والحبل يمتد وكان كل شيء يمشي على رجليه ، وظن الجميع أن 20 فبراير يوم عظيم من أيام فتوحات الدهر البشري، وأن بعدها سيكون ما يكون ، وفجأة خرج المخزن بدستور فانتهت الحركة تنطفئ إلى أن خمدت نارها وبيع صوتها واشتراه من اقتدر عليه ومات العد والركض ، واصطف المخزن من جديد ولم تبق سوى الذكرى ، يحتفل فيها من صمدوا ممن أرهقوا وضاقوا درعا بالخيانة التي تحول فيها رموز الحركة في كل الوطن إلى بطانة ، وعاد المخزن إلى ترتيب أوراقه وعاد السائح إلى تجريب نزواته واحتفالاته ، ولم يتغير شيء بل زاد المنع والمانع منعا ، وعلقت العصا على الرقاب فما عاد أحد قادرا قول إرحل أو لا للحكرة ، وانتهت ابن جرير وقبلها المغرب إلى ترديد أغنية الأجيال الجميلة ” كولوا العام زين” وبانت فراسة المخزن القاهر الجبار ، حينما فصل في المقال بين واقع الحال ودستور بلا تنزيل ،ومغرب انكمش بعدما تمدد على كرسي الحرية ، فخاب رجاء المقهورين فيمن اعتبروهم يوما لا يستطيعون الغدر والخيانة ، مع أن تاريخ المغرب مليء بالخيانة ومليء بكل اعوجاج في الرجال.
عمت صباحا أيها المغربي وكل عام و20 فبراير بخير ، هي الذكرى فقط البقية الباقية ، ذكرى الخروج لتأبين يوم من سنة كان يمكن لو لم يتخلل صفوف الشرفاء فيه نزق البياعين السفاحين المتشدقين، لكان المغرب اليوم مغربا غير الذي ننام فيه ونصحا فيه ، ونتبادل فيه السلام ونهمس ونغمز فيه ، ونسهر ونبكي ونمرح فيه ، ونغتب وندنو ونبتعد فيه . لكان مغرب اليوم غير مغرب نكذب ونشتم نسرق ونزني فيه ، ولكان مما سيكون غير هذا اليوم الذي تحولت فيه 20 فبراير من الشارع إلى الذكرى فقط . فماذا تغير إذا ؟