لحسن زغلول أو “ولد الكابران” رجل من عيار الذهب . فهل يمكن إنتاج مثل تلك الأجيال ؟

0

KABRANE

حينما تجلس إلى جوار لحسن زغلول تتمنى أن تبقى وفيا لهذا الإنسان ، أن تعيد رؤيته مرات أخرى وأن تسجل معه حلقات ومزيدا منها ، لا تتمنى أن تسمع يوما ما بنبإ سيئ عنه ، فقط لأنه ممن قد لايمكن إنتاج نسل من طينته وعياره ، يوم قررنا زيارته والاستماع بين يديه لتاريخ عميق من بدايات الصراع بين قوى الحركة الوطنية في مغرب أصبح مختزلا لدى فرنسا ، وأصبح مستعمرا بقوة شيء غير واضح إلى اليوم ، رغم حكاية التاريخ المنشور على صفحات الكتب ،  وهو التاريخ الذي تتلقاه الأجيال عن نكسة المغرب  عام 1912  وماهية الحماية الفرنسية ، ولكن بخصوص سؤال  كيف؟  ومن؟  وماذا دفع إلى أن يخضع المغرب لتلك الحماية التي صنعت زغلول ولد الكابران وغيره، هنا لا نملك حقيقة الجواب مع كثرة التفاسير والشروحات لأنه بنظرنا التاريخ يصنعه المنتصر ، ومادامت فرنسا من كانت تسيطر ، فالتاريخ ودواعي الحماية وليس” الاستعمار” فرنسا من تملك في قصورها الأرشيف السري لتلك القوة التي حطت بالمغرب في يوم كان ذي مسغبة وأجهزت على المغرب من البوغاز إلى ماشاء القدر أن تتوقف فيه  .

عموما الخوض في لب تاريخ المغرب بالأبيض والأسود عميق جدا ولسنا في معرض ذلك . نحن فقط نريد تكتيف الحديث بعبارات فرضت نفسها علينا حينما كان لا بد من سماعها من رجل صال وجال بعقله وجسده ، بنفسه ورجليه في حدود لا متناهية من المغرب وبعدها الجزائر ، حين أصبح المبحوث عنه  رقم واحد أو اثنان لا يهم ، المهم أنه هو واحد ممن تجرؤا يوما على الاستعمار وعلى الخونة وعلى كل من أراد هتك قاعدة أن يكون المغربي خانعا مستسلما في النور و الظلام .

زغلول لحسن حينما بحثنا عنه لم نجده بقصر من أبراج عالية ، ولا بفيلا بمسابيح ، ولا بموضع كان يمكن فيه لهذا الرجل أن يصبح ثريا أو أيا من هذه الأوضاع  التي طفق بصرنا يكتشفها ويكشفها حينما علا من كانوا بالأمس لا شيء وهم اليوم الأسياد وكل شيء ، مع أنه وبالنسبة لزغلول كان الاغتناء على حساب النضال وعلى حساب المزايدة به سهلا وواقعيا باعتبار العديد من المؤشرات والظروف ، ولكننا وجدناه جالسا في انتظارنا على قارعة شارع من شوارع مدينة تامنصورت بمراكش  ،بعيدا عن الأضواء الكاشفة وعن ملذات الحياة ورغد العيش ، فتساءلنا من اختار للرجل هذا الوضع ؟ وتساءلنا أم هل اختار هذا البطل البساطة منذ أول يوم خرج فيه للدنيا ؟ بقيت الأسئلة معلقة إلى حدود أن صافحناه،  وقادنا إلى شقته ودخلنا  عليها ، وتبين أن الاختيار ليس قسرا أو غير ذلك وإنما أملته طبيعة هذا الرجل الساحرة .

وجدناه وحيدا مطمئنا في عمر تجاوز فيه الثمانين عاما ، ومع كل ذلك ما يزال القلب والصوت يخرج قويا كأنه بنا في ريعان قوته ، وتذكرنا الملايين من شباب اليوم المنخنق الصوت المدثر العقيدة ، وتذكرنا أن الصوت ليس سهلا أن يمتلكه جميع البشر وبنفس شدة حباله، وهل زئير الأسد يقارن بنقيق الضفادع؟ كان في ذلك اليوم لحسن زغلول فرحا لقدومنا فنحن لسنا الأولين أو الآخرين من الصحافة التي تعرفت إليه ، أو عرت عن حياته المشتركة مع مجاليه المتقاطعة  مع دولة حارب فيها المستعمر  وفجأة حاربته ،  فصار طريدا من داره ومن بين أهله إلى الجزائر ليقضي بها 36 سنة  ، فيها مافيها من الذكريات والمذكرات الشيء الكثير ، بل زيارتنا إليه تأتي من باب فتح نافدة على زخم لا تكفيه حلقة أو حلقات من تاريخ طويل يمتد من 1930 إلى حدود أن “سامح” النظام رعياه الأوفياء ، ووضعت الدولة المغربية عنها وعن شعبها كل الأثقال ، فاستقر رأي النظام على ترجمة العفو على أرض الواقع ، حينما تعب الجميع، وتعب الطرفان معارضة ونظام ،  وأصبح واضحا أن شد الحبل لم ينتج غالبا ولا مغلوبا،  فسمحت المشيئة أن يرجع زغلول ويعود المغتربين من كل أصقاع العالم إلى حاضنة الوطن التي افتقدوها كثيرا ، عاد الفقيه البصري وعاد بن سعيد ايت يدر وأبراهام السرفاتي وكثيرون ،  وأظهرت الدولة حسن النية بطي ملف  ظل عالقا أمام مسيرة بلد، و كلف كثيرا من الأرواح الكريمة والأجساد التي ما يزال أثر البحث عنها يستحق عناية دويهم وأسرهم وأحبتهم ورفاقهم  إلى اليوم . زغلول الذي زرناه والذي ملأ سمعنا وبصرنا بالكثير من الأحداث والمشاهدات ، والذي نشتاق إلى العودة إليه.  لمسنا فيه الإنسان ، ولمسنا فيه ما جعلنا نطرح السؤال حينما اكتشفنا البساطة تحيط بهذا المناضل من كل جانب ، أكواب شاي هي ما اقتسمناه ببيته المتواضع الذي يملأه زغلول بكيانه ، ويملأه رحابه بجسد لم يطلب المتعة أو المال،  ولم يزايد عن الوطن أو يقتص لنفسه جزاءا لتلك السنين من الاغتراب والويل وأربع إعدامات في حقه ، بل اكتفى بالانزواء هناك على مسافة من ضجيج مراكش ومن بذخ مطاعمه ، هو المغربي الأصيل الذي لن ينتهي السؤال بخصوص ، لماذا مثل هذا الرجل يلقي بكل شيء خارج المحاصصة وخارج جعل رمزه وزمنه ثمنا غاليا يمتص به من الوطن سنوات شبابه،  كفاحه  ضد المستعمر إلى أن رحل.  وكفاحه ضد أوضاع كان يريدها أن تمشي كما فهمها في إطار حركة لإعادة إنتاج تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال .

أسئلة  ستظل عالقة ،  فيما بعضها أجاب عنه الرجل بحركات جسده بلغته بصوته وبما شاهدناه منه وهو يطوي سنين الاغتراب والقسوة ، في بلدان الغير وفي بيوت مغربية اختفى فيها زمنا  ،حينما صار مطلوبا من الوطن الذي أغار فيه  يوما على المستعمر كي يترك الوطن يستريح من جراحه ، حكمنا حكما لعله الصواب بعد كل تلك الساعات التي قضيناها بمخاطرها بأهوالها بمسالكها بالفرار فيها من أيدي النظام إلى حدود الإقامة بالجزائر، تم العودة ، فأدركنا أن الرجل أحب الوطن ،  أحب فيه هواءه واستقراره ، ناسه ورياحه  ،ازدهاره وتقدمه،  وكره فيه بيعه بدراهم أو أموال لا تكفي لشراء الكرامة والمناعة ، التي وللأسف يبيعها الناس من أشباه الأبطال وأشباه الرجال والسياسيين والنقابيين والحقوقيين وشيعهم بلا ثمن وبلا أدنى مقابل  ، يبيعونها “منبطحين” وبلا خجل أو تردد .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.