مصطفى الأزموري:الرحالة المغربي الِذي اكتشف أمريكا من المحيط الى المحيط .

1

img017

عبدالهادي الموسولي       .  

إبان ضعف الحكم الوطاسي بالمغرب وبداية نشأة الدولة السعدية في بداية القرن 16 الميلادي ,كانت إسبانيا والبرتغال تمضيان قدما في اكتشاف العالم الجديد ,وقد اتخذ الغزاة الإيبيريين من بعض السواحل المغربية قواعد لتسيير رحلاتهم في اتجاه غرب الأطلسي ,ولهذا الغرض استعمرت البرتغال مدينة أزمور سنة 1513 م وصادف ذلك حقبة من الإضطرابات الداخلية والمجاعات وتوالي سنوات القحط التي ضربت المغرب .وقد عرفت سنوات 1520-1521 م مجاعة حادة حتى اصبحت بعض الأسر المغربية تبيع أبنائها للبحارة البرتغاليين مقابل وجبات من الطعام .وكان من بين اولائك الشبان المغاربة الذين بيعوا للبرتغاليين أو تم أسرهم حسب اختلاف الروايات التاريخية :مصطفى الأزموري المعروف في التاريخ الإسباني :”إسطيبان” وفي التاريخ الأمريكي: “إستيفانيكو” .بيع هدا الشاب المغربي اليافع أو تم أسره واختطافه في وقت كانت القبائل المغربية المجاورة لمدينة ازمور في صراع دائم مع الغزاة البرتغاليين ومن ضمنهم الرحالة الشهير :ماجلان ,حيث تذكر المصادر التاريخية أن ماجلان قد أصيب في إحدى المعارك ضد المغاربة بمدينة أزمور .وكان الغزاة خلال هده المناوشات يأسرون عدد من المغاربة ويبيعونهم للبحارة الإسبان من أجل استخدامهم في غزو العالم الجديد ولعل أبرز شخصية من هؤلاء المغاربة هو الرحالة الكبير مصطفى الأزموري .فقد بيع هدا الشاب المغربي الى نبيل اسباني قرين له في السن يسمى :”أندرس دورانتيس” سنة 1521 م وظل معه في اسبانيا حيث تعلم الإسبانية واعتنق الديانة المسيحية تحت أسلوب الترهيب الذي كان يعتمده الإسبان في محاكم التفتيش بالأندلس …وبقي هناك الى أن ظهر أحد الجنود الذين عملوا في فيالق الغازي الإسباني “هرنار كورتس” ويدعى “نارفاييس” وكان القصر الإسباني لا يسمح للمورسكيين بمرافقة المستكشفين الإسبان لكن النبيل الشاب “أندرس دورانتيس” الذي اعتزم مرافقة الجندي “نارفاييس” تمكن من إقناع القصر بضرورة مرافقته غلامه المغربي “مصطفى الأزموري .وجهزت البعثة بثلات سفن ومئات من الرجال من ضمنهم “إسطيبان “الأزموري وكانت أول محطات الأسطول بعد سواحل الأندلس جزيرة كوبا وهناك تعرض الغزاة لعاصفة مدارية قوية عصفت بأسطولهم في بلدة “ترينيداد” .وبعد إصلاح سفينتين وفقدان واحدة أبحر القائد “نارفاييس” الى شبه جزيرة فلوريدا بالصدفة لأنه كان ينوي التوجه الى سواحل المكسيك الشرقية لينال من ثروات “الأزتك” وخاصة الدهب كما فعل قائده السابق “كورتس” وهنا برزت شخصية الرحالة المغربي “مصطفى الأزموري” حيث كان يستعمل كوسيط بين الإسبان والهنود الحمر .وتذكر المصادر التاريخية كيف استانس الهنود الأمريكيون بالمستكشف المغربي وكيف ارتاحوا له لأنهم لمسوا فيه الإنسان المتخلق والمسالم ومما عزز دلك لدى الهنود ,اختلاف سحنات الأزموري عن سحنات الغزاة الإسبان .ولما أدركت بعثة “نارفاييس” أنها على الأرض الخطأ توجهت غربا لكنها اصطدمت بمصب نهر “الميسيسبس” حيث لقيت البعثة حتفها ولم ينجوا من الهلاك سوى أربعة أشخاص هم :”مصطفى الأزموري” و سيده النبيل “أندرس دورانتيس” و “كابيصا دي فاكا ” وجندي اسباني اخر .لجأ الأربعة الى احدى الجزر مدة من الزمن وصلت الى ست سنوات ظلوا هناك في العراء وسكنوا الكهوف والمغارات واكلوا الحيوانات والنباتات والأسماك .وتعتبر مذكرات الجندي “كابيصا دي فاكا” مرافق الأزموري أهم مصدر تاريخي يتطرق لشخصية الأزموري بإسهاب ,لكنه كان يتجاهل الدور القيادي الذي لعبه الأزموري في الفتوحات الإسبانية في أمريكا الشمالية وذلك للتقرب الى التاج الإسباني . وبعد خروج الرفاق الأربعة من الجزيرة إلتقوا بعدد كبير من قبائل الهنود الأمريكيين حيث تحولوا الى أطباء روحانيين يمارسون الطب الروحي وسط القبائل وكان زعماء القبائل يعتقدون أن هؤلاء المعالجون هم أبناء الشمس أرسلتهم لعلاج المرضى .وهنا برزت موهبة “مصطفى الأزموري” من جديد إد تمكن من كسب ثقة الهنود بعدما عالج مرضاهم من الأوبئة التي جلبها الإسبان وفي أحيان كثيرة منعهم من بطش الغزاة الإسبان ,ونال الأزموري مكانة خاصة بين الهنود الحمر خاصة قبائل “كاراكاوا” وبعد دلك غادر الأصدقاء الأربعة في اتجاه المكسيك حيث سلكوا وادي “ريو كراندي” وكانوا يستقبلون بحفاوة من القبائل الأمريكية ولا يغادرون الا فرارا وتنكرا .وفي المكسيك يرزت مرة أخرى عبقرية الأزموري حيث أعجب به الحاكم الإسباني بالمكسيك “ميندوزا” الدي كلفه بتزعم رحلة استكشافية الى الشمال حيث حضارة هنود الغرب الأمريكي “سيبولا” وهنا فارق الأزموري أصدقائه الثلالة وغادر الى الشمال في بعثة جديدة أوائل العقد الثالث من القرن 16 م .ذهب مع غزاة جدد مهمتهم القتل والنهب والسلب ,لكن الأزموري في رحلته هذه كان يدعوا الى السلم وينشر الأمان والمودة بين القبائل وكان يحض الإسبان على التعامل الإنساني مع الهنود المسالمين ,ونال مرة أخرى عطف القبائل الأمريكية وتعلم الكثير من لهجاتها وعاداتها .وخلال هده الرحلة اختلفت المصادر التاريخية في نهاية مغامرات الأزموري بين قائل بأنه قتل من طرف الإسبان  بين قائل أنه قد قتل من طرف الهنود .بينما هناك من يؤكد أنه وصل فعلا الى “سيبولا” والى عاصمتها “هاويكو”واستقر بها وتزوج وأنجب .وتعتبر الرحلة الأخيرة التي قام بها الأزموري من أخطر الرحلات في امريكا حيث وصفها الراهبان :”ماركوس ديمتسا”و”لاس كازاس ” بأنها رحلة الموت .

وبدلك فإن الأزموري اول افريقي وعربي تطأ رجلاه الأراضي الأمريكية .كما أنه يعتبر اول رحالة في العالم كله جال الأراضي الأمريكية .وقد قطع خلال رحلته أزيد من 25 ألف كلم ابتداء من أزمور ومرورا من كوبا وفلوريدا والمكسيك وانتهاء بغرب الولايات المتحدة الأمريكية .لينضاف سجله الى سجل الرحالة الشهير ابن بطوطة الدي خرج من المغرب واتجه شرقا الى الصين قاطعا أكثر من 120 ألف كلم .وإذا كان ابن بطوطة قد خرج بمحض أرادته فإن الأزموري فرض عليه أن يكون رحالة عالمي فكان أهلا لذلك .ولا يزال الأمريكيون الأصليون المنحدرين من الهنود الحمر يعتبرون الأزموري أو “استيفانيكو” أيقونة السلام والحوار في تاريخ أمريكا .كما يحتفل به الأمريكيون من أصل إفريقي كل سنة .وقد أقيم له ثمثال بولاية تكساس الأمريكية .لكن معظم المغاربة لا يعرفونه .ولولا بعض المؤرخين وبعض المنابر الإعلامية التي تستحضر الموضوع كل مرة لتعرض للنسيان .وقد تجاهلت المصادر التاريخية الإسبانية الرحالة المغربي لكن التاريخ لم ينساه ولن ينساه .وهنا يجب التوجه بالشكر الجزيل الى قناة الجزيرة الوثائقية التي عرفت يهدا الرحالة المغربي الكبير بشكل موضوعي وعالي الإحترافية الإعلامية .

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. محمد يقول

    شكرا جزيلا للكاتب . فالموضوع مهم كما أن أسلوبه متميز وجيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.