أرياف الرحامنة الجنوبية  من عز جماعة الدوار إلى تكالب الجماعة الترابية .  

1

BADIA

بالأمس القريب كان لكل دوار بالرحامنة الجنوبية كما في كل المغرب جماعته الخاصة به متشكلة من كل رجاله البالغين المتزوجين .وكانت هذه الجماعة تتقاسم مع المخزن المهام الأمنية في حين تتكفل وحدها بالمهام التنموية لأن المخزن لم يكن يعرف كيف ينمي أريافه .فجماعة الدوار وحدها كانت تتحمل كل الأعباء التنموية التي تحتاجها ساكنة التجمعات القروية .وكانت الجماعة التقليدية تسير الدوار أو مجموعة الدواوير المرتبطة فيما بينها بحكمة وتبصر .وكانت تعمد إلى تقسيم الأعمال والمهام بالتساوي بين السكان خاصة الفلاحين المالكين للأراضي .وكان العمل الجماعي جوهر الجماعة وضامن استمرارها ،وبفضله أنشئت عدة منشئات عملاقة كبناء القناطر وشق الطرق والسواقي التي تعج بها ضفاف وادي تانسيفت ولعل أبرزها ساقية “اكريزيزة” العملاقة .وكان العمل الجماغي يفرض داخل الجماعة فلا يتقاعس عليه أحد لأن الناس هناك ميالون إلى العمل الجماعي بطبعهم حيث كانوا يعملون متعاونين تحت مبدأ “التويزة”. الذي ما أحوجنا اليه اليوم. وخاصة قي موسمي الحرث والحصاد يتعاون الجميع في أجواء أخوية رائعة إذ حتى العمال المياومين الذين جاد عليهم بعض الميسورين ببقع أرضية ليحرثونها مقابل جزء من المحصول كانوا يتعاونون على حصاد منتوجاتهم , يذهبون كل مساء مجتمعين إلى حقل أحدهم ليحصدوه في عملية تسمى “العشوية” فيما يلتزم صاحب الحقل بإعداد وجبة العشاء على شرف الأصدقاء وكانت الأغنام والأبقار والحمير والخيول تجمع في قطيع واحد يتم رعيه بالتناوب .وتميز الفقير داخل الجماعة التقليدية بحظ وافر لانراه اليوم في أنجح خطط التنمية البشرية التي يقال عنها مستدامة ’ إذ كان الفقير مآزرا من الغني , فصاحب الأغنام يخصص جزء من قطيعه لفائذة المعدوم كي يرعاها مقابل نصيب معلوم من القطيع  نهاية السنة . وصاحب الأبقار يجود ببقرة من أبقاره لفائدة أسرة فقيرة قصد رعايتها والإنتفاع بألبانها مقابل اقتسام ما تلده البقرة من عجول .وفي نهاية الجصاد والدراس ينال الفقراء  نصيبهم من القمح والشعير حتى ذاع صيتالرحامنة الجنوبية في كل الأنحاء وكان فقراء قبائل أخرى يتهافتون عن المنطقة لنيل زكوات الحبوب وأعشارها .وقتئذ كان الرجال هناك يتباهون بمن يجود أكثر من الزكوات والأعشار حتى يضمنوا طهارة منتوجاتهم .وكان لفقيه الدوار حضوة كبيرة فلا يمر فرح أو قرح دون حضوره وكان له أجر جاري من المال والمحصول الزراعي مقابل القيام بالصلوات الخمس وتحفيظ القران الكريم لأطفال القرية .وكان مفتي الجماعة ومصدر ثقتها وأمانتها وكان التآزر والتضامن هو المرجع الأساسي لجماعة الدوار وكان يظهر ذلك في المفرح والمقرح , فكل من أراد تنظيم حفل من الحفلات كان لزاما عليه توجيه الدعوة إلى كل أفراد الجماعة , وعندما تسجل بالدوار حالة وفاة يهب الجميع للمساهمة في الجنازة وكان كبار الملاكين بالمنطقة يتبرعون باراضي شاسعة لدفن موتى المسلمين , وهنا لابد من الإشارة الى رجالات الرحامنة الأصلاء : “مصطفى بن الزادي” و”عباس بن المعطي” رحمهما الله اللذان تبرعا بأراضي كثيرة بالرحامنة الجنوبية أنشئت عليها عدة مقابر ولاتزال مقابر للمسلمين الى يومنا هذا …الأن تغيرت الموازين وانقلبت الأوضاع فمنذ الميثاق الجماعي 1976 حكم عل الجماعة التقليدية بالإندثار وحلت محلها الجماعة الترابية المحلية التي حملت معها مخططات تنموية فاشلة وذات خلفية أمنية محضة .كما جاءت بأناس وصوليين لا علاقة لهم بالتنمية والديمقراطية احتكروا كل شيء في الجماعات الترابية وورثوا كراسيها الى الأبد . تعطلت التنمية في عهدهم ولم ينجحوا سوى في نهب أموال المواطنين عبر الصفقات  والتوظيفات المشبوهة .أناس أتوا من بين المواطنين البسطاء الأميين  بالمنطقة ليصبحوا أغنياء أثرياء رغم أن تعويضاتهم بالجماعة محدودة جدا والكل يعرفها .بل وصلو الى كراسي البرلمان واحتكروها وسدوا أبواب التنمية في وجه المنطقة .ورغم أن الميثاف الجماعي ل 2009 ينظر إلى رئيس الجماعة الترابية كمسير لمقاولة فلم يستطع سد الطريق على مثل هؤلاء الجهلة الإنتهازيين .نخروا تعاضد القرويين ببرامج انتخابية فاشلة مليئة بالدجل والأكاذيب فانقلب تضامن الفلاحين القرويين الى صراعات وأحقاد ودسائس لا طائل من ورائها سوى زرع البلبلة والفتنة بين المواطنين .وبات من المستحيل على سياسة الدولة في العالم القروي أن تحقق أي تقدم في مجال التنمية الريفية ولعل ما يؤكد ذلك الفشل الذريع لسياستها في مجال إعداد التراب الوطني بالعالم القروي .إذ أصبح أمر التنمية مركبا ومعقدا تتشابك قيه خيوط السياسي والإجتماعي والإقتصادي والتاريخي.وأصبحت المعالجات المتخذة سطحية لا تسبر أعماق مشاكل ومعيقات التنمية بالأرياف .ومما زاد الأمر استفحالا عدم الإنسجام الواضح بين الترسانة القانونية الحديثة والعقليات القديمة التي لا تزال تسيطر على الواقع السياسي والتنموي بأرياف الرحامنة الجنوبية بل وتحاول توريث فشلها الى أبنائها وحفدتها .إنضاف إلى هذا الوضع المؤلم نشطاء جمعويون غرباء عن الأرياف رأوا فيها مجالا خصبا للكسب السهل باسم العمل الجمعوي والتعاوني ودمروا روح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وأفرغوها من قوتها التضامنية . وحتى فقيه الدوار أصبح في ملكية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وتم إبعاده عن مشاكل الجماعة وهمومها .وبذلك تشكل سد منيع بين المواطنين البسطاء والبرامج التنموية يضم المنتخبين وبعض رجال السلطة وذوي النفوذ والفاسدين من المجتمع المدني .لذلك بات لزاما على الدولة أن تجدد رجالها كما تجدد قوانينها .

عبدالهادي الموسولي

الرحامنة الجنوبية

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. أبو فاذي يقول

    السياسة الفاشلة للدولة في العالم القروي أصبحت عائقا أمام تطور الأرياف كما زدادت المقاربة الأمنية وخلطها للأمني بالتنموي من ااستفحال وتكريس التخلف والفشل والإقصاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.