رُبَّما أكونُ مثالياً أكثرَ من اللَّازِم، حين أطاِلبُ بتعليم، يضع ضمن أولوياته، ما أَعْتَبِرُهُ، هنا، تربيةً جماليةً. خصوصاً أنَّ المدرسة، اليوم، تعيش في وضعٍ حَرِجٍ، مثلُها مثل الجامعة، لا فَرْقَ، ما دام هذا من ذاك، كما يُقال، أو هذا من أصل ذلك.
فأولويةُ الأولوياتِ، هي أن تَقِف المدرسة على رِجْلَيْها، فهي تُشْبِه، في ما هي عليه، مِمَّا لم يُعَد خافياً على أحد، وَضْعَ ذلك المُقْعَد الذي، حتى حين وَجَد من يَحْمِلُه، كان أعْمَى. وفي مثل هذه الحالة، لا بُدَّ من التساؤل عَمَّنْ يقود مَنْ.
ففي الوقت الذي تحتاج المدرسة لِمَنْ يُنْقِدُها من الضَّلال، ويُخْرِجُها من هذا الوضع الكارثي الذي توجد عليه، فهي تعمل، وتشتغل، بنفس صورة الأعمى الذي يحمل المُقْعَد، بما يعنيه ذلك من سَيْرٍ محفوف بالمزالق والأخطار، وبحامِلٍ، يقودُه المحمول. فهُما، معاً، يَسِيران بِبَعْضِهِما، ولا أحدَ يستطيع أن يقودَ نفسَه بنفسه، أو يكون بدون الآخر. وهذه هي وضعية الإعاقة التي توجد عليها المدرسة اليوم.
ولكن، رغم هذا، وما دامتِ المدرسة تُفْتَح، والتَّلامِيذ يلتحقون بها، في بداية كلِّ عام ليدرسوا، والبرامج والمقررات موجودة، بما فيها من مشاكل، تتعلَّق بطبيعة الرُّؤْيَة والمنهج اللذين يَحْكُمانِها، وكذلك بطبيعة الاختيارات، فلا يمكن أن تَظَلَّ المدرسة تعمل بدون تربية جمالية. فليس معقولاً أن يذهب التلاميذ كُلَّ يوم، فقط، ليدرسوا العلوم، واللُّغات، وكل ما يتعلَّق بـ «التربية الوطنية» و «التربية الدينية» والأدب، دون أن أن تكون لهم علاقة بالرسم، أو بالتشكيل والنحت، والموسيقى والرقص، أو المسرح والسينما. فهذه الأنشطة، لها دورٌ كبير في حَفْز التلاميذ، وفي تَفْتِيق قُدُراتِهِم، وطاقاتهم الإبداعية، وهي بالتالي، تربطهم بباقي الأنشطة التعليمية الأخرى بشكل جيِّدٍ، وبحيوية ونشاط جَدِيدَيْن.
لا أعْنِي بالتربية الجمالية، أن تكون هذه الأنشطة الفنية، دُروساً، أو تصيرَ عِبْئاً على التلاميذ، ينْضاف لأعباء الدروس التي غالباً ما لا يجد فيها التلاميذ ما يُفيدهم، أو ما لا يُقْنِع توَقُّعاتِهم وتَطَلُّعاتِهِم، بل أعني أن نجعل من هذا النَّوْع من التربية دَماً يجري ويتدفَّقُ في أرواح التلاميذ، وفي نُفُوسِهِم، بما يُرْهِف أحاسيسهم، ويُهَذِّبُ أذواقَهُم، ويُخْرِجُهُم من حالة اللاَّمَعْنى التي يعيشون فيها. فلا معنى لشيء في نظر الإنسان، إذا كان هذا الإنسان لا يَسْتَشْعِر دَوْرَ النَّغَم في حياته، ويُمَيِّز بين الألوان والأشكال، ويَسْتَشْعِر الفرق بين الشُّروق والغُروب، في الظُّهور والاختفاء، كما يشعر بالطبيعة، في حياتها وحيوتها، وما تُضفيه على نفسه من ابْتِهاج وسُرور، حتى وهو لا يعرف مصدر هذا الابتهاج والسُّرور.
هذه الرَّوْعَة التي تُخْفيها الطبيعة، وتُخْفيها الأشياء، بتناسُقِها، أو بما قد يظهر في سُطوحها من فَوْضَى، لا يمكن بُلُوغُها، دون أن تكون هناك قاعدة تقوم عليها رُؤْيَة الإنسان لهذه الأشياء، التي تُتِيح له اسْتِشْفافَ هذا الجميل، والرَّائع، والمُدْهِش، والفاتِن. وهذه القاعدة، طبعاً، هي ما يتعلَّمُه هذا الإنسان في المدرسة وفي البيت، وما يتعلَّمَه وهو في الشارع، وفي ما يَمُرُّ عليه من أمور يَلْتَمِسُها بَسَمْعِه، وببصره، وبحواسه كاملةً، التي تكون مُسْتَنْفَرَةً لالتقاط هذا الجميل والرائع، أينما كان، وفي أية صورة أو مظهر من المظاهر التي يتبَدَّى بها، أو يتجلَّى.
من قرأ «أزهار الشَّرّ» لبودلير، سَيُدْرِك هذا المعنى العميق للجميل والرائع في النَّافِر والمُنْفَلِت، أو المُتَوحِّش من الأشياء. ما يُفيدُ أنَّ الرَّاِئعَ، موجودٌ فينا، قريبٌ مِنَّا، وهو جزء من وجودنا اليوميّ، ومن تلك الأشياء التي قد تبدو لنا غير ذات أهمية، أو أنَّها مصدر شَرٍّ وقَلقٍ وانزعاج. يكفي أن نكون أشْبَعْنا أرواحَنا بالموسيقى، وبإيقاعاتِها المتنوِّعَة والمختلفة، وبالألوان، وتَدَرُّجاتِها، وبالمسافات الفاصلة بين الضَّوْء والظِّل، وبين الفارغ والمُمْتَلِيء، وما تَحْفَلُ به هذه الأشياء من اختلاقات، لنُدْرِك أن الجميل والرَّائع، معاً، وبغض النظر عن الفُروق بينهما، كما سَيُكَرِّسُهما بعض المفكرين والفلاسفة، الذين كتبوا في هذا الشَّأْن، هُما ذِرْوَة المعنى الذي يمكن أن يمنحَه الإنسان لنفسه، في علاقته بالطبيعة وبالأشياء، وبغيره من الناس، ممن اعْتَقَدْنا أو تَوَهَّمْما، في لحظةٍ من اللَّحَظات، أنَّهُم غير داخِلِين في فكرنا وثقافتنا، وفي ما نحمله من قِيَم ومُعْتَقدات.
في التربية الجمالية تَذُوب الفُروق، ويصبح المعنى مثل الماء حين يختلط بالماء، لايمكن تمييزُه في صفائه، وفي انسرابه في التُّرْبَة، لِيُضْفِي الحياة والخُضْرَة على الطبيعة، ويُشْعِل فِتَنَها. وقديما، قال الجاحظ، أعود بالله من فِتَنة القَوْل. وهو يقصد، هُنا، ذِرْوَةَ الجمال الذي يصبح فاتِناً، يُخْرِجَ الإنسانَ من طَوْر إلى طَوْر، وهو ما تفعلُه الموسيقى في الإنسان، كما تفعلُه في الحيوان وفي النبات، كما يفعلُه الرسم، وتفعلَه الكتابةُ حين تكون، اخْتِراقاً، أو خَيالاً خَلاَّقاً.
فكانط، كان، في سياق حديثه عن الجميل، أو الرَّائع بالأحرى، اعتبر الرَّائعَ، هو العظيم على الإطلاق. فما يعنيه العظيم، في ما يقوله كانط، هو أن يتحوَّل الوجود، أو ما يكون مصدر هذا العظيم، إلى مكانٍ، أو فضاء لِرَفَاه النفس، وانْشِراحِها، ولاستعادة الإنسان لإنسانيته، ولِما به يختلف عن غيره من الكائنات، لأنهَ، ببساطة، الكائن الذي، كما يمتلك القدرة على التفكير، فهو يتخيَّل، ويُبْدِع ويَبْتَكِر، ولا يقبل أن يعيش على إيقاعٍ واحد، أو يُعيد تكرار نفس السُّلوكات، ونفس الحركات، وربما، نفس الكلام. فشومسكي، في نظريته التوليدية، عبَّر عن هذا في السياق اللساني، أي عن هذه الطّاقَة الابتكارية الابْتِداعية عند الإنسان، من خلال توليد الجُمَل والتعابير، بما لا يمكن حَصْرُه من الصُّور والتراكيب، أي بما لا نهاية له.
فالجمال، بكل أشكاله ومظاهره، هو هذه الطَّاقَة الحيوية، المُتَجَدِّدَة، الكامنة في نفس الإنسان. فحين نُعْطِبُ هذه الطَّاقَة في نفسِه، فهي تَتَجمَّد، وتترسَّب في أعماقه، وتصير دفينةَ أعماقه، وربما يتحوَّل هذا الكامن في نفسه إلى عَداء، وإلى نقيض للجمال والرَّوْعَة، ويصير، بالتالي، شَناعَةً وبَشاعةً، تظهر في علاقته بالمُحيط الذي يعيش فيه، وفي طريقة رؤيته للأشياء. وهذا ما نَعِيشُه في مستوى العلاقة بالمدينة، وبالسَّاحات العامة، من حدائق، ومتنزَّهات، وحتَّى الغابات والشواطىء التي نرتادُها، فهي لا تعني لنا شيئاً، سوى أنَّها مكان يخرجُ بنا من اليومي، وقد نَخْلُد فيه للراحة والاستجمام، دون أن نحرص على نظافتها وجمالها، وربما نكون سبباً مباشراً في ما تتعرَّض له تدمير وتخريب. وقِس على هذا، ما تتعرَّض له المدرسة نفسها من تخريب من قِبَل التلاميذ، أي بما يعكس، بصورة أو بأخرى، غياب الإحساس بجمالية المكان، أو ما ينبغى أن يكون عليه المكان من ترتيب، وحتَّى «فوضَى»، ولكن في شرطها الفني الجمالي، لا في شرطها التدميريّ الذي لا يُبْقِي ولا يَذَرُ، كما يُقال، أو وفق عبارة لدريدا، بهذا المعنى، فالرائع، حتَّى في شَطَطِه، إنَّما يظل على قياس الإنسان.
فالرائع، وثمَّة من ينْقُلُه إلى مستوى الفظيع والمثير والمُرْعِب، وأعني به الإنجليزي إدموند بورك، قادرٌ على إنتاج أقوى العواطف، التي بوسع النفس أن تُحِسَّ وتَشْعُرَ بها. وهذا هو جوهر التربية الجمالية، في هذا المعنى الذي أذهبُ إليه هنا. فالهدف هو الإنسان، أو «النفس» البشرية، التي لا يمكن أن تتحسَّس بَشَرِيَتَها، دون أن تكون عَرفَتْ الجميل والرَّائع، أو صارتْ ذَائِبَةً فيهما، مثلما يذوب الماء في الماء، ويتلاشيا في بعضهما، دون استشعار أي فرق بين الاثنين، فَهُما واحِدٌ ذابَ في نفسه.
ففي الفكر النيتشوي، نجد حضورَ هذا المعنى الذي لا يمكن الإنسان أن يكون في مَنْأًى عنه، باعتباره هو من يُشْعِل هذه الروعة في الأشياء، كما يشتعل الشَّيْب في الرأس وينتشر، حيث يصير الرائع، هو تدجين الفظيع والمُريع بالفن، أي بالجمال، الذي هو أحد مقدمات هذا الرَّائع، أو ما يُمَهِّد له، ويدعو إليه.
لا يمكن، إذن، ووفق هذا أن تكون المدرسة، التي تعمل على تربية الإنسان وتَنْشِئَتِه، خاليةً من الفن، ومن التربية الجمالية، في الوقت الذي تُصِرّ فيه على تدريس أنواع أخرى من التربية، قائمة على نوع من القهر الفكري والأيديولوجي، الذي لا يمكنه أن يُفيدَ في خلق الإنسان، وتأهيله للانخراط في المجتمع، بالمعنى لذي يكون فيه هذا الإنسان إضافةً، لا آلةً، وهذا مع الأسف، هو ما تذهب إليه المناهج والمقررات، التي تفتقر للحافز الجمالي، الذي يُفْضِي غيابه في التربية والتعليم، إلى قَهْر الشِّعر والرواية والقصة والمسرح، التي تُدَرَّس باعتبارها نُصوصاً، تُعَبِّر عن فكرة، لا باعتبار قيمتها الفنية والجمالية، التي هي المدخل الطبيعي لهذه الفكرة.
المدرسة، حين وُجِدَتْ، لم تَسْعَ لتكون فضاءً لتأهيلِ الفرد، ولِشَحْذِ فرديته، وما يمكن أن يكون توقيعَه الخاصّ به، هذه الفردية التي تتحوَّل إلى طاقة للإبداع والابتكار، بل إنها جاءتْ لتجعل من الفردي يذوب في الجماعي، ويموتُ فيه، لا فرق بين زيد وعمرو، في النوع وفي الدرجة، معاً. وهُنا مَكْمَنُ تغييب التربية الجمالية من المدرسة، التي هي اليوم في وضع لا تُحْسَدُ عليه، ليس لأن المعلمين والمُدَرِّسين قَصَّروا في القيام بدورهم، ولا لأنَّ التلاميذ والطلبة، لم يعودوا راغبين في التَّعَلُّم بل لأنّ الاختيارات التي قامت بها الدولة، واحتلال الدولة، دون غيرها للتعليم، والاستفراد باتِّخاذ القرارات، والسِّياسات التي اتبَّعَها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، كانت، في جوهرها، هي نوع من ترويض الإنسان على فكرٍ واحدٍ، ورؤية واحدة، لا على التَّعَدُّد الذي يضمن الوحدة، والمفرد الذي يصنع الجمع، ومن هنا خطأ ما تعيشه الدولة من اختيارات، ما تزال هي نفسها إلى اليوم. فمن ينظر، على سبيل المثال لتركيبة المجلس الأعلى للتعليم، سيُدْرِك أن الدولة لا ترغبُ في الفردي، وفي ما يمكنه أن يكون استثناءً، بقدر ما تعمل على إفراغ كل شيء من محتواه، بما تفرضه من أفكار ترتبط بالأشخاص من جهة، انظر حالة عيوش مثلاً، شخص لا يعرف العربية، التي هي اللغة الرسمية للبلاد، وثار الكل ضد أفكاره، وضدّ توجُّهاته المُعادية للفكر والثقافة العَرَبِيَيْن، تضعه الدولة في منصب، يصبح واحداً ممن يتخذون القرارات في شأن التعليم، وفي مصير الإنسان المغربي، في المثقف والعالِم والمفكر، لا مكان لَهُما بين هؤلاء، أو غير مرغوب فيهم، لأنَّهُم، ببساطة، يملكون حلولاً في جُرْأة وابْتِداع.
لم أبتعد عن موضوعي، بل إنَّ هذه هي النتيجة الحَتْمِيَة التي تُفْضِي إليها مثل هذه الاختيارات، التي تكون فيها البرامج والمناهج، بعيدةً عن التربية الفنية والجمالية، أي بعيدة عن الإنسان الفَرْد، المُبْدِع، الذي يقترح الأفكار ويبتكرها، وهو هنا، في نهاية الأمر، الفنان، والشَّاعِر، والروائي، المفكر، والمسرحي، والنَّحات، والطبيب أو المهندس الذي يبتكر الحلول، ويخلق أشكالاً جديدة في العمارة، وفي علاج المرضى، وليس من يحتكم للعادة والتكرار، ولا يكون قادراً على الإضافة، وهذا هو ما يكون النتيجة الحتمية لتغييب الفن والجمال من المدارس، بما يعنيه ذلك من تَغْييبٍ للإنسان كطاقَة للخلق والابتكار.