من أجل هذه اللحظة التاريخية صبر الإعلاميون بابن جرير .

0

 SABRI1

يوسف صبري.

وأخيرا لا نحتاج اعترافا من أحد بممارسة مهنة الصحافة ، ولا نحتاج أن يمدحنا أحد أو يمن علينا لفظا بكوننا إعلاميون ، لأن نداء عامل الإقليم أشفى الغليل ، غليل عقود من الزمن لاقى خلالها الإخوة الزملاء  قبلنا الكثير من الحيف ، سوف لن استرجع حكاياتهم ولن استطيع لأني فقط كنت في جلسات استمع لبعضهم عن بدايات التأسيس ، عن بداية شق طريق الصحافة  هنا وما أدراك ما هنا ، لا أحفظ عن ظهر قلب تلك البدايات ، وإنما أحفظ المعاناة ، معاناة المراسلين يومها مع حكام هذه المنطقة ، وعن سنوات الرصاص وعن الاضطهاد ، وعن اللعنة التي رافقت ” المراسلين ” تم بعدها رافقت تأسيس الجرائد المناضلة ، ضرب فيها البعض وشمت وأقصي وكان عدم الاعتراف بوجود مهنة الصحافة والإعلام في ابن جرير درس اليوم والغد .

حتى قبيل سنوات معدودة ، عندما جمعتنا المقادير وجمعنا ” الحال ” بالباقين من زمنها وبأولئك الواقفين المنتصبين عند بابها ” الشريف “، وجدناهم يومها بنفس درجة الإيمان بأن الصحافة يمكنها أن تعيش وتترعرع هنا ، وجدنا مدير نشر جريدة بلاد بريس منتصبا في مواجهة مجتمع يجهل مهنة الصحافة وفي بيئة لا تؤمن قطعا بالفكر والثقافة والقلم ، ووجدنا في الآن ذاته أبريك عبودي قائما مستقيما هو الآخر ، ووجدنا بدايات تجارب الكترونية لزملاء جعلوها لنا منابر من خلالها كانت البدايات بالنسبة لنا كذلك ، مع ذلك كان الاعتراف نادرا بالمهنة وبأصحابها ، حتى عندما حملنا محافظنا ووضعنا فيها أقلاما وأوراقا  وأرقاما وخرجنا لتوه ننشد المهنة سخر منا الجميع ، كنا نمر عليهم جميعا وهم يعبثون بأقدارنا قائلين ” أيهم بعقله بين هدين ” ، كان الإنكار وجه اليوم هو عملة باقي الأيام ، ومع ذلك صبرنا ومع مناضلي المهنة تعلمنا ،ومع الموجودين رغم ضربات القضاء التي سيتعرض لها الإخوة في منابر أخرى على جرعات ، صمد الجميع من أجل هذه اللحظة ، التي انتظرنا فيها عاملا محنكا يحمل من سمات الإنسان المثقف كل السمات ، نحن اليوم بهذه المدينة وهذا الإقليم لا حق لأحد علينا ، سوى أولئك الذين كانوا يمدون أيديهم إلى جيوبهم ويخرجوا منها مالا مقابل جريدة نضعها بين أعينهم  وهم مؤمنون بالمزيد وبالمزيد ، كنا في لحظات نجوب الإقليم بين جماعاته كما جابه غيرنا ، وكنا مؤمنين بأن الغد سيكون مشرقا، وأن اللحظة التاريخية ستكون أقرب إلينا من أي زمن كان .

لا تكفي هذه الصفحة لنشر تجارب الزملاء وتجاربنا على طول المدة التي قضيناها في محراب صاحبة الجلالة ولكن أقول أن مشروع ” دار الصحافة ” اليوم بابن جرير انتصار للإيمان القوي الذي تبناه زملائنا الأعزاء على طول عقود ، وانتصار للقلم بهذه الربوع وانتصار للفكر والثقافة والعلم والقلم ، لست استطيع مراجعة السنوات في  زمن غبن السياسيين هنا ،وحقدهم وحقد حوارييهم من شيء اسمه الصحافة والفكر  ، كان الجميع متواطئ ضد الاعتراف بأصحابها وبها ، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره  ولو كره الحاقدون ، كان حينما يسألك أحدهم ماهي مهنتك ، فترد عليه صحفي أو علامي تشعر أنه كمن قلت له عاطل أو عازب أو أنك لا شيء ، كانت بيئة الرحامنة عارية من كل الموجودات   ، كان الأمر فضيعا جدا ، سادت أفكار هدامة روجها المختلون عقليا من بدو هذه البيئة من المتحزبين والسياسيين الفاشلين ، وكان المؤمنون بالتأخر هنا يراهنون على أنفسهم وعلى طرق الطعن القديمة في الإخبار وفي نسف تلك الأخبار  عبر أعوانهم مقابل أموال زهيدة  يتلقونها بالباب العالي ببلدية ابن جرير حصن التأخر ” اليمتولوجي ” الدهري قبل تجربة الهمة ” الأحادية ” المناكب والمفاصل  ، كان وقوف المثقف والصحفي وتعريف نفسه بتلك المهنة يعد ” شماتة ” كبرى وعار ، كانت محاولات احتقارها تذهب حد مقارنتها بالتسول  .  لا أزال اذكر حتى عهد قريب جوبه أحمد وردي في نازلة من طرف رمز سلطة بإنكار شديد  لهويته ،مع أن الرجل صحفي وخريج المعهد  العالي للصحافة وأشرف على بحثه الصحفي الكبير ” نور الدين مفتاح “رئيس فيدرالية الناشرين ، كان الجميع متواطئ هنا على نخبة المجتمع التي انتظرت عامل الإقليم بعد قرابة 20 عاما من الاستبداد لإعطائها صك الاعتراف الذي لا يستسيغه الكثيرون  اليوم ، ولا يرضاه العديدون ولا يتمنى الكثيرون أن يكتمل مشروعه وأن يخرج إلى الوجود .

في لحظات أذكر ، اتهم الإعلاميون هنا بأعثى أنواع الافتراء ،  ووصفوا ثارة “بالطلابة ” وثارة بالفقراء ، وحيكت ضدهم قضايا كثيرة، ولفقت إليهم التهم واقتيد بعضهم إلى القضاء وفقر وبؤس آخرون ، وكلف البعض نفسه عناءا في لحظات لاحتساب مداخلهم وأرزاقهم وما يدخرون وما يعرشون ، لم يكن أحد من هؤلاء قادرا على إضافة لبنة أو تهنئة هذا الجسم الإعلامي على مرد وديته الكبيرة جدا وعلى امتداد سنين من الاشتغال .

 لست بمعرض الحديث عن كفاءة إعلام ابن جرير ولكن لو توفر أرشيف بخصوص القضايا التي أثارها هذا الإعلام ومساهماته في مجالات عدة هنا لاكتشف العالم أن الحياة لا تسمو بدون صحافة ، وكي لا نمدح في هذا الجسم كثيرا فإنني اغتنم الفرصة لشكر كل من ساهم يوما في جريدة كي تطبع أو في علامي كي يصل إلى نقطة معية في هذا الإقليم لنقل مشاهد ومظاهر الحياة بكل أسلاكها ، أو كل من ساهم بلسانه وقلبه كي تستمر السلطة الرابعة واقفة باسطة بصرحها على تجاوزات البعض في حق الأغلبية ، أو تجاوزات البعض في حق البعض انطلاقا من الفضح الذي يرمم بالقانون بعد ذلك  وتلك مهمة الإعلام  ، شكرا لمن همه هم الصحافة ، وشكرا لعامل الإقليم على هذه اللحظة التي لم يستطع عقل من عقول ابن جرير على مر الزمن على التفكير جملة وتفصيلا بهذا الشكل تكريما وإكراما للإعلام واعترافا بمن يحملون محافظهم في أن يظلوا مبتسمين علنا  بممارسة الصحافة التي أخذت منهم وقتا وجهدا وعرقا ودما وسجنا وألما وحالا من أحوال أصحاب الحال .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.