الجغرافيا السياسية.
الجغرافيا كعلم مجرد يمكن تعريفها على أنها نتيجة تفاعلية لمختلف الظواهر الطبيعية والبشرية،أي أن الجغرافيا تهتم بكل ما يربط الإنسان بالأرض ،ولعل السياسة أهم الروابط وأخطرها .ومن هنا يمكن الحديث عن الجيوبولتيك كجزء من الجغرافيا السياسية ،ويقصد به التفاعل الذي يحدث بين الجغرافيا والسياسة .وهذا يعني أن كل ظاهرة تؤثر في الأخرى وتتأثر بها .فالعامل الجغرافي من أبرز العوامل التقليدية المؤثرة في العلاقات الدولية .فحجم الإقليم له أثر على قوة الدولة ،إذ تبين أن الدولة ذات المساحة الكبيرة تكون في وضع أحسن من الدولة ذات المساحة المحدودة .فالعالم ينظر بنوع من التمييز السياسي ويمايز بين الكيانات السياسية بل ويبدي احتقاره لأصغرها حجما .
إن كبر حجم الدولة يوفر لها عمقا استراتيجيا متعدد الخيارات .ويفسح المجال لتنوع الموارد الإقتصادية ، لذا ليس من الغريب أن نجد أن الدول العظمى في المجتمع الدولي مثل : الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين مزايا استراتيجية واقتصادية سمحت لهذه الدول أن توفر متطلبات الأمن العسكري والاقتصادي من أجل تحقيق اكتفاء ذاتي في عدة مجالات .
لكن ليس دائما حجم الإقليم هو العامل الحاسم ،بل تتدخل كذلك عوامل أخرى خصوصا عدد السكان والمناخ والموقع الاستراتيجي .ويمتد العامل الجيوسياسي الى أبعد من ذلك حيث يتحكم في الصراعات والنزاعات الدولية .
ويرجع تأسيس علم الجيوبولتيك أو الجغرافيا السياسية الى الجغرافي السويدي “رودولف يلين” في بداية القرن 20 م.حيث اعتبر الجغرافيا السياسية علم الدولة كجهاز جغرافي وكيان ضمن المجال .وهذا التعريف امتداد لما نادى به الجغرافي الألماني “فريدريك راتزل”(1844 -1904 م).الذي حلل الدولة في علاقتها بجغرافيتها وبمجالها ومحيطها ،معتبرا الدولة كائنا حيا .
فالجيوبوليتيك هو حقل معرفي يتداخل مع الجغرافيا السياسية وهو جزء منها .وهو بعد استراتيجي يدخل في علاقة عضوية مع العلاقات الدولية ،الجيوبوليتيك يحرك استراتيجية الدول ويحرك العمل السياسي ، كما يمد حكومات الدول بالأدوات والوسائل التي يمكن بها تنفيذ هذا العمل ،أما الإستراتيجية في معناها العام فهي فن استخدام القوة أو هي فن القيادة في التخطيط العسكري والحرب ،بل إن مفهوم الإستراتيجية يتجاوز ذلك بكثير ليقتحم المجال الاقتصادي والسياسي والتنموي .
تهتم الدول بالمجالات الجغرافية لما تمثله من عنصري ثقة وقوة في أركان الدولة حيث يعطيها العامل الجغرافي الفعالية والحيوية والحصانة الأمنية والاقتصادية والعسكرية ،وتعتبر المضايق البحرية ومدخرات الطاقة والأنهار ومنابعها أهم مناطق النزاعات الدولية .فمثلا إسرائيل تصر على التمسك بهضبة الجولان السورية لما توفره من موارد مائية تقدر بربع الاحتياجات الإسرائيلية ،وتراقب تركيا مصادر المياه في منابع الفرات مما يضمن لها أن تصبح قوة إقليمية مؤثرة . وتصر ايران على مراقبة مضيق هرمز والتحكم فيه لمراقبة ناقلات البترول وضمان سير مخططها النووي .
كما تتطلع دول أخرى الى جيرانها بطريقة غير اخلاقية وغير محسوبة العواقب من أجل التمدد الإستراتيجي مثل الجزائر .
وتعتبر الشركات المتعددة الجنسيات أهم فاعل في مجال الجيوبوليتيك ،وذلك راجع للدور الكبير الذي تلعبه في مجال التوسع الإقتصادي واحتكار المجالات الجغرافية الحية والمؤثرة في السياسة الإقتصادية الدولية ، وهذا ما نتج عنه النزاع من أجل الهيمنة الإيديولوجية على الموارد مثل النفط والغداء .
وقد كانت الإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ تهتم بالمجالات الحيوية والفضاءات التي تعطيها المزيد من القوة للحفاظ على تفوقها على باقي المنافسين من الدول .ولعل هذا ما أدى الى حروب طاحنة من أجل الهيمنة ومد النفوذ .ولا تزال بعض الدول تتمسك بمستعمرات لها في مختلف بقاع العالم كخيار استراتيجي .
كان لموقع المغرب أثار إيجابية على تطور الحضارة المغربية وميلاد إمبراطوريات ساهمت بشكل أو بآخر في تطور الجيوبولتيك الإفريقي ،حيث ظل المغرب قوة فاعلة في حوض البحر المتوسط ،وكان البحث عن المجال الجغرافي محرك الوحدة في المغرب لكن بدوافع مثينة تستمد أسسها من الدين الإسلامي فتأسست إمبراطوريات ممتدة الأطراف لم يعرف شمال إفريقيا مثيلا لها بعد الفتح الإسلامي كالمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين . وخلال القرنين 19 و20 .م .تراجع المغرب كثيرا عن بعده الجيوسياسي والإستراتيجي لصالح المستعمر الفرنسي ، وبعد استقلال المغرب حاول المغرب أن يعود من جديد الى مكانته الإستراتيجية لكنه اصطدم بقوى تريد البحث عن مكان لها في الجيوبوليتيك العالمي على رأسها إسبانيا والجزائر. كما أن المغرب تنازل عن دوره الإستراتيجي لفائدة المتروبول الفرنسي .
لذلك فالمغرب مدعو أكثر من أي وقت مضى الى النظر في تاريخه الجيوسياسي من أجل خلق جيوبوليتيك جديد صالح لتدبير المرحلة وللدفاع عن موقعه كقوة فاعلة في الجيوبوليتيك المتوسطي والإفريقي والعربي .
فقد أكد لنا التاريخ أنه حتى المعارك تصنع الجيوبوليتيك ،فمعركة “الزلاقة” التي خاضها المرابطون بالأندلس خلال الربع الأخير من القرن 11 م. جعلت المغرب ضمن الدول العظمى أنئذ ،إد استقل عن الوصاية العباسية ببغداد بصفة نهائية ،وأصبحت مراكش عاصمة لإمبراطورية عظمى ولمنطقة الغرب الإسلامي برمنها .ثم أتت معركة “وادي المخازن” لتصحح صورة المغرب التي بدأت تهتز ادى الأوربيين إبان القرن 16 م ، حيث جعلت المعركة من المغرب شريكا استراتيجيا لدول أوربا الغربية العظمى كالمملكة المتحدة .لكن للأسف تقاعس المغرب عن لعب دوره في الجيوبوليتيك العالمي خلال القرون الماضية ،وخاصة خلال القرون 17 و 18 و 19 و 20 م .
وقد فطن المغاربة للدور الذي كانوا يلعبونه في السياسة الدولية ، لذلك لم يستسيغوا ضعف الدولة المغربية ، ولم يستسيغوا ابعادهم من طرف الأوربيين عن تلك الريادة ،فقاموا بردة فعل مناسبة وجد معبرة ،ألا وهي الجهاد البحري .
عبد الهادي الموسولي

