مرحاض التعليم المَخْزَانِي.

0

 

ELEVE

 مساهمة خاصة ببلاد بريس.

دروس المنطق و الحريات و العدل، جميعها، مجرد أوراق حمام في مرحاض التعليم العمومي…يا للسعادة !!

كنت في ربيعي الثاني عشر أدرس المرحلة الإعدادية ،حين اقتادني أستاذ اللغة العربية إلى قاعة المدير وفي يده ورقة إنشائي.

أخذ المدير الورقة وشرع في قراءتها، بينما أستاذ اللغة العربية يراقبني بملامح حانقة..

صرخ المدير: كلْب ماحشمتيش! ثم صفعني…

انصرف الأستاذ وتركني بين أيدي المدير…كنت قد سمعت قبلاًَ أنه من محترفي الملاكمة…يا للسعادة..

بعدها اقتادني نحو مكتب آخر حيث وقعت ورقة التزام لم يمهلني الوقت لقراءتها، ثم انصرفت مغطيا وجهي وتركتهم يتداولون ورقة الإنشاء خاصتي فيما بينهم..

الآن وبعد مرور حوالي أربع سنوات، أسترجع ما كان في الورقة من أسطر…كان الأمر شبه حاسم جعَل جميع أوراقي المستقبلية تفقد عذْريتها،عذرية الصمت …فقد كنت أنا العبد الصالح الماثل أمامك، التلميذ الذي زعزع كيان حوالي ست أساتذة ومدير وحراسة عامة…جميعهم لاقوا حتفهم نتيجة طعنات انتقادية بسكين أزرق لا يتجاوز ثمنه الدرهم و النصف …منذ تلك اللحظة تشكل لدي مفهوم الدولة لكن بشكل مصغر داخل جدران القسم،يطبقون علينا ما شاءوا ثم يرموننا للشارع فيبدو كل شيء طبيعيا مع أنه ليس كذلك، أظن أنهم أطلقوا عليه لقب التعليم المخزاني فقط لأنه نسخة طبق الأصل عن المخزن…هناك المدير يحكم،الأساتدة مجرد تابعين،أما السيد بنكيكان المحترم فهو الحارس الملتحي الذي يفتح لنا الباب و يغلقه متى يشاء…يا للسعادة.
تبتدئ رواية بيتر بان بالجملة الآتية :”جميع الأطفال يكبرون إلا واحد” بداية جميلة لكن وراءها تختفي حقيقة أخرى هي أن كاتب القصة لم يزر يوما موغريبنا السعيد، فالشبان هنا يتركون المدرسة بنفس المستوى الذي وَلَجوه بها، المهم من التعليم ليس هو تثقيف الشباب وإنما تأخيرهم لبضع سنوات قبل ولوج ميدان الإدمان،لا شيء يتغير،أراهن الجميع أنهم لو وضعوا مجموعة تلاميذ داخل قاعة البرلمان،لوجدوا نبتة “الخنيزة” محكوكة بإتقان أسفل كرسي رئيس الجلسة…طق طق طق ما هذه الرائحة ؟ افتحوا النوافذ بسرعة قبل أن نختنق…

يصعب علينا حقا بناء المستقبل ونحن أسيرو التعليم العمومي، السبب شبه غامض، أقصد أنه لمدى وضوحه صار غامضا و يزداد الغموض في الثانوية التي أدرس بها …ثانوية أم البنين هي إحدى المؤسسات التي لفظها رحم درب السلطان و جعلها القدر تدخل المنظومة التعليمية بمقوماتها مقومات عكاشة و تازمامرت فهي أشبه سجن صغير حيث يحثوننا على المجيء كل صباح لنتفاجئ بالأستاذ مريضا أو ميتا فوق الجريدة… يحتاج لتدخين سيجارته الصباحية  قبل العودة للحياة…

عجائز لم يجدوا الوقت لأخْد طُقم أسنانهم من كأس الماء قبل المجيء لتدريسنا، و آخرون تخرجوا لتوهم حتى صاروا و لِصِغر سنِهم أعداء لنا لأسباب مجهولة، أستاذة الفلسفة التي شوهدت أكثر من مرة في أكثر من حانة وهي تحتسي الشراب أهانت أستاذ التربية الإسلامية أمامنا واصِفة إياه بالمخنث لمجرد تعصبها الديني،أستاذ التربية الإسلامية نفسه سمع الخبر فصار يسب الله أثناء حضورنا كي يثبت رجولته، و الأستاذ الذي يدرسنا التاريخ (رغم أنه ما من تاريخ لنا) رجل قصير القامة ذو لحية ماعِزية بيضاء،الغريب أنه في كل درس لا بد له أن يستشهد بأقوال من الخطابات الملكية،لكنني أتساءل كما يتساءل باقي التلاميذ لماذا لم نسمع منه قط عبارة “أين الثروة؟” كما أنه الوحيد بين جميع الأساتذة الذي يغير سيارته الجديدة كل سنة بأخرى أفضل…”اللهم كثر حساده”..أستاذ الفيزياء الدميم ابراهيم لينكون بوصيدة رجل “زهواني” بحيث يمنح المرتبة الأولى للفتيات حسب ارتفاع الصدرية عن منبت الثديين، أستاذة الرياضيات الهاشمي فلن تحبك إلا إذا كنت شبيه ابنها الذي سمعنا أنه وُلد معاقا! …هنا ندرس…و ما زال أستاذ التربية الإسلامية ذاك يسب الدين و مازلنا نحن ننتظر بفارغ الصبر أن يصعد فوق مكتبه و يزيل سرواله كي نتأكد أنه ليس كما نظن…مخنثا !!

أنت تلميذ في التعليم العمومي و تحلم بأن تصبح طيارا ؟أو “بيلوت” بلكنتك الطفولية البريئة ،إذن فعليك بالحشيش يا درويش، لن تحتاج إلى أي مستوى دراسي …فما يصطلح عليه ب”الطريفة” أو “الفرشخة” هو وسيلة مضمونة للطيران بعيدا عن سطح منزلك إلى عوالم أخرى..و بثمن يناسب وضعك الاجتماعي…لكن احذر وأنت تحلق بعيدا أن تحطم” زرواطات” الشرطة جناحيك الضعيفين، لأنك حينها سوف تضطر لمشاطرتهم كل ما لديك فيحلقون هُمْ بينما تتوسد أنت الجدار وتحْلم…

المدرسة الحقيقية هي تلك التي نلِجُها مباشرة بعد خروجنا من الثانوية…الشارع…درب السلطان وكل ما فيه من أحياء…درب الفقراء وبوشنتوف ودرب الطلبة،إنها المدرسة الحقيقية، بدل النصوص الشعرية تجدنا نتغنى بأناشيد الرجاء و أغاني معاد الحاقد في الشارع حيث المتشردون أو “الشماكرية” و”البوعارا”…لطالما لقََنونا معادلات الحياة الصعبة…أولائك هم من يتغوَطون في الشارع وتدُوس أنت على فضلاتهم…نعم، لأنهم لم يكونوا مُرْغمين على دخول مرحاض التعليم العمومي، لأنه و ببساطة مليء بكثير من الخَراء…

علاء الشاوي شاب حائز على جائزة القصة بالأردن

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.