جماعة بوروس بإقليم الرحامنة : جماعة نكرة لا يعرفها أحد يعصرها الموت وتصنع المستقبل

0

 

 

وراء جبال سيدي بوعثمان لا يملك المرء سوى اليقين بأنه على مرمى بضع كيلومترات يعبر بعدها واد تانسيفت إلى واحة الأضواء وواحة النخيل حيث تذوب الأشواق وتذوب الأحزان في صخب مدينة عامرة منسجمة مع نفسها كما ينسجم الرجل الحسن الهندام عندما ينظر إلى نفسه في المرآة ، وأنت تقترب  من مراكش تقترب إليك حصونها ويقترب إليك الزمن وتتراءى  أمام عينيك تلك العلامات الإشهارية على أطراف الطريق يمينا وشمالا ، ويتحول المكان إلى فسيفساء مخلوطة من الألوان ومن الدفء ومن ذلك الذي يعشقه الإنسان وهو قريب من المدن الكبرى عادة.

على مرمى البصر حين الظهيرة تتراقص أشجار النخيل الباسقة وهي ترسل ذلك الغموض المحير الذي أربك أكبر الرومانسيين فخرا بأحاسيسهم  ، وتبرز بين ضباب كثيف صومعة الكتبية محدقة إليك على طول ما تبقى من المسافة ،وأنت تقترب وتقترب رويدا رويدا مع كل الذي تحمله عن إقليم ودعته وتحسب أنك ودعته فعلا ، بحاضرته ابن جرير وبأخر ما قد تحسبه النهاية “بلدية سيدي بوعثمان ” لكن ثمة هناك جماعات مدسوسة وراء الجبال هي من إقليم الرحامنة الواسع العريض ، وثمة ما يمكن أن يطرح ألف سؤال عن جماعة إسمها ”  جماعة بوروس ” . و هنا قد تكتفي المخيلة بترميم وبناء نموذج لهذه الجماعة كيفما كان ، فيما تمتزج تلك الأسئلة بالمجهول ، أين توجد هذه الجماعة ؟ ولماذا سميت “بوروس” ؟ وهل هي من هذا الإقليم ” الرحامنة” أو غير موجودة على ترابه البتة؟

وفجأة وعلى مقربة من المركب الرياضي لمراكش  تستدير السيارة يسارا بمحاذاة وادي تانسيفت ،فتشعر بالمطلق الأكيد أنه مراكش حاضرة المغرب وتاريخ أجياله وصناعة دولة مرابطية ومهد ثلة من خيرة علمائه ورجالاته لكن ماذا يقع بعدها .

نعرج فعلا إلى جماعة موجودة بالفعل وعلى الورق واسمها “جماعة بوروس”  هي إذن تلك الجماعة التي قد لا يعرفها أغلب الذين سألناهم ، هي الجماعة النكرة ، وهي الجماعة التي تختفي وتظهر بين تلال بعيدة تحاصر جغرافيتها من كل مكان ، ترى ماذا يعرف عنها الرحامنة ؟ وماذا تعرف عنها سلطات هذا الإقليم ليس كرقم على الورق ولكن ككيان مهضوم الجغرافيا والأحوال ممن يمثلون ملك البلاد هنا ؟ وكيف كان يمكن الاهتداء إليها لولا طريق وجدت تقطع إليها وتجمع على دربها أكثر الجماعات فقرا على مستوى الرحامنة الجنوبية : جماعة الجبيلات- وسيدي بوبكر – وجماعة طلوح مرورا إلى تاملالت ، فمن دون تلك الطريق نجزم أنه لن  يستطيع عابر الإهتداء إلى تلك المجاهل الموحشة وسط براري الرحامنة الجنوبية،  ولبقي البشر قريبون هناك من زمن ” هاينة مولات السوالف وعمنا الغول”    ولبقيت أغلب جماعات الرحامنة الجنوبية ضحية النسيان .

جماعة بوروس هي من ذلك الفضاء ، جماعة فقيرة تكابد عنوة مع أسف كبير على حظوظ القدر من أجل المزيد من الإستقامة والصمود والتحدي في محيط كل شيء فيه قاس ، طبيعة جرداء وموارد ضعيفة يقتسم طرفي إنقاذها سوق صغير عنوانه دال عليه ” لخميس ” وعائدات الضريبة على القيمة المضافة التي توفر لهذه الجماعة بعضا من الموارد الضئيلة وساكنة لا تتعد ى 7288 في مساحة تتجاوز 161 كلم مربع .

وأنت بمقر تلك الجماعة بعد الوصول إليها وبعد عبور لابد وأن تختلط عليك فيه الأمور وتلتبس في تقسيم إداري منح”المقدمين والشيوخ” كل الوقاحة في فصل العباد والبلاد بين هذه الجماعة وتلك ، فهم من عهد إليهم تقسيم تلك البراري وتقسيم أرض الله وتصميمها تصميما يشبه كيف يفكرون وكيف أنهم عديمو الشفقة وعديمو المعرفة بأبسط دروس الجغرافيا،  هم من وزع تلك الحقوق ” الرصاين ” على الجماعات ، فهناك تتداخل الجغرافيا بشكل فضيع جدا يحتاج تدخل المسؤولين وبأسرع وقت ممكن  ، فأحيانا تحسب نفسك بتراب جماعة بوروس ، وأنت في الحقيقة بجماعة الجبيلات ، وتارة تحسب نفسك بتراب جبيلات ولكن الحقيقة أنت بتراب جماعة واحة سيدي ابراهيم ،تلك الجماعة التي تحقق أرقاما خيالية من الفائض يتعدى المليارين يفوق ما يجتهد في شرحه رئيس المجلس الحضري لابن جرير وزمرته بزهو كثير مع أنها جماعة قروية  ضيعها الرحامنة وضيعوا معها مكسبا كبيرا كان سيعين جماعات الرحامنة الجنوبية على نوبات تحدي الموت القاسي من سوء توزيع الإمكانيات بين هذا وذاك  .

فتقاطع المساحات والتضاريس وتداخل  بين  جماعة وتلك ، سبب كوارث بالجملة أتت على كل مظاهر التنمية وقطعت أرزاق العباد والبهائم والشجر والحجر ، تقسيم يؤدي فاتورته اليوم ساكنة تلك الجماعة فيما يشبه المعازل “الكيطوهات”  تقتل البشر ببطء شديد جدا ومن غير الحد الأدنى من شروط التنمية أو إمكانيات  الولوج إلى عالم أكثر سماحة ، في ظل تاريخ كان مليئا بالحصار السرمدي والتبعية التي تأخذ ولا تعطي شيئا .

رئيس جماعة بوروس  بمجهودات يحفر على الصخر هناك باستماتة وبمزيد من الأمل رغم غياب رقعة للمناورة بما تيسر، لتمكين تلك الجماعة التي تعاني من كل شيء، فقر وهشاشة ونقص في المياه ونذرة في المداخيل،  في سعي حثيث منه لتوفير تيار للكهرباء وكأس ماء غذقا  ليتجرعه أولئك القابعون على كيلومترات واسعة وشاسعة في بيئة تعرف أكبر نسبة للهذر المدرسي وغياب حتى لأبسط شروط الصحة عندما لا تتوفر سيارة إسعاف فما ذا يبقى جائزا كي يكون معه الخلاص ؟   ومع كل ما تكابده الأنفس للمضي في إتمام خارطة من الشبكات العنكبوتية تحت الأرض لسقي الضمأنين والعطشى ، والتي هي بالمئات من الكيلومترات ،  بقيت جماعة بوروس مستقيمة تنفض غبار الماضي القريب ومساومات التقسيم تارة بالتبعية لإقليم قلعة السراغنة وتبعات المنح والدفع  إلى أن انتهت سنوات العسل الملفوف بالسم ،  واليوم بالولاء لإقليم جديد تشاركه تلك الجماعة نفس الهم وكبير الحلم .

فميزانية جماعة بوروس يستحي أبسط دارس لأبوابها ، للفائض وبرمجته وللمصاريف فيها كذلك  أن ينطق بأرقامها  ، هي ميزانية لا تتعدى 268 مليون سنتيم منها 143 مليون رواتب 17 موظفا،  ليطرح السؤال : كيف يمكن أن تصنع هذه الجماعة مستقبلا بين جيرانها بمثل هكذا ميزانية  ؟ لذلك لم يتعرف إليها أحد ، وظهر بالبرهان لماذا استحالت أن تخرج تلك الجماعة من زمن النسيان ؟  فيما رئيسها استنهض الهمم التي تريد النهضة مند 20 عاما من التدبير والحفر في الذاكرة هناك لإيجاد اسم لها على حد تعبيره  ، سميت ببروس لوجود واد يقطعها بروافد متعددة هي رؤوس للماء، و توفر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 60 مليون فقط دعما للجماعة وهو مبلغ لا يستجيب للأحلام والطموحات ، بدعوى أن الجماعة مرتفع بها ثمن العقار لقربها من مراكش وهو ما فنده رئيسها معتبرا تلك الإشاعة ولت مع زمن قد زال .

واليوم يراود نفس الرئيس الذي لم تختلف الآراء حول تدبيره القويم لتكلك الجماعة برأي كل من إلتقيناهم صحبته ومجلسه، في كونه يلتمس سبل النجاة مع كل الخصاص ومع كل الضعف ليشرب ساكنة تلك الجماعة من الماء كما يشرب أهل المدن ويستطيعون إشعال الكهرباء كما يشعله ساكنة مراكش القريبون منهم ، ولتضارع الجماعة خطوب الأزمات من غير أن تقترض درهما ، ومن غير أن تكون مدينة لأحد بدرهم  بل توفر فائضا رغم الداء ورغم كل الظروف .

لا ينكر الواقف على ترجمة الأحلام في تلك الجماعة على حقيقة أمله الكبير في عامل الإقليم الذي لم يتوان لحظة عن ذكر إسمه وشكره ،وهمه أن يعود من غادر الجماعة إلى الاستقرار بها ، ذلك أن ساكنة تلك الجماعة وحتى باقي الجماعات المبعثرة جغرافيا على ضفاف وادي تانسيفت يسترق ساكنوها الهرولة مشيا بين  قناطر على طول وادي تانسيفت  فيما يشبه العبور من بوغاز جبل طارق إلى اسبانيا ” الجنة ”  شغل ومن تم الاستقرار في مراكش لانعدام سبل العيش بجماعات جنوب الرحامنة ، مع أن الكثير من المنعشين تحركوا غذاة ارتفاع العقارات إلى نشر تباشير الاستثمار  بجماعة بروس وهي الواقعة على مرمى حجر من جماعة اولاد حسون بمراكش، لا تفصل بينهما سوى قنطرة بمحاذاة سبت بن ساسي القديم حيث تطل زاويته من الضفة الأخرى في ما يشبه العدوتين ، هناك النعيم وهنا الجحيم الذي لا دخل للإنسان فيه ، وإنما صناعة أراذل القبيلة ” شيوخ و مقدمين ” أسفر عن سعة هناك وفقر هنا،  وينتظر الكثير من عامل الإقليم كي ترى الكثير من جماعات الرحامنة الجنوبية  خلخلة تليق بتضحيات الناس هناك وتضحيات العباد.

ومهما حاولت جماعة بروس جاهدة  صناعة الأسواق الأسبوعية  لمحاكاة الضفة الأخرى حيث سبت بن ساسي فشلت، ومهما حاولت إشراك المجتمع المدني وخلق الجمعيات ومنحها الحدود المسموح بها في المشاركة فشلت ، فيما قد تكون نجحت في  أن يشرب الجميع وأن يصطلي الجميع في بقعة بمساحة وطن تحتاج إلى الكثير من المال كي تتطهر .

 هذا ولم تقف معاناة جماعة بوروس هنا بل تعاني تهديدا حقيقيا يضرب في العمق وينذر بخروج “الأهالي ” كما قال عبد الوهاب الدكالي في أغنيته إلى الهجرة بالمرة ودون العودة إلى الإلتفات إلى الخلف ، يقل الماء هناك اليوم ومنذ زمن بعيد  ويقل يوما بعد يوم وتتسارع خطط الإنقاذ بكل الوسائل والحل سهل جدا إنهاء استغلال بشع لثروات المنطقة ووقف “مقلعي الرمال ” الموجودين  واللذان يحفران عميقا في أرض ومن تم في “جسد ” جريح  ومن غير مراعاة لحظوظ الناس في قطرة ماء عندما لا يجدها ساكنو تلك الجماعة ، ذلك أن أولئك “الريعيون”  أصحاب تلك المقالع يدفعون بعضا من المال إلى الجماعة نظير هلك للحرث والنسل  و يقتلعون جذور الانتماء وجذور أن يبقى مخلوق هنا متمسكا بحقه في الحياة والنجاة ، وهم يفعلون ذلك منذ سنين ، وبنجاح استطاعوا إنهاء الأمل في بقاء الناس مستقرة إلى ديارها ، وما أغضب الناس من حديث الهجرة عن الأوطان حين يطلبون لذلك قسرا .

هي إذ جماعة  تمنى فيها الناس أن يتوقف الحفر لأن “الريعيون ”  ملئوا جيوبهم كثيرا وأفرغوا أرواح الناس عندما تضاءل  الماء وعائدات الحفر “الجحيم ”  .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.