طوافنا لمدة عشرة أيام على جغرافيا الرحامنة و لساعات طوال يوميا منذ الخيوط الأولى لأشعة الشمس و حتى الإسدال و الوقت المتأخر جعلنا نكتشف مؤسسيا و علميا و تاريخيا و طبيعيا مجالا طالما تتحدث عنه الانطباعات الإنشائية كقطعة من الجحيم و أشلاء مغرب عميق و أحيانا تصوره قوافل الاحتجاج مجالا ميؤوسا منه مثخنا بأنين التضاريس الوعرة.
في الحقيقة السفر إلى هذا المجال الفسيح المتعدد و المتنوع أمر مطلوب على الأقل من الناحية السياحية و الاستكشافية و لكن من الناحية التوثيقية فإن الأمر لا يعدو أن يكون حتميا لأن طاحونة الكلام قد تلوك مجالا أخضرا و الكثير من المؤهلات الهائلة بإيعاز من الوحي و الخيال و الإسقاط و حكم القيمة.
فقد يكون الكلام عن الرحامنة مُجانبا للصواب بدون مشاهدة و استطلاع و مسح بانورامي لكل المساحة المترامية على الحدود مع الشاوية و دكالة و الحوز و السراغنة ، لأنه من المؤكد أن لا أحدا سبر أغوار تاريخ القليعة و قصر العيادي المطل على صخور الرحامنة و من هناك تستطيع أن ترمق الأفق من كل جانب كما أنه لا أحد قام بزيارة ” فيلا ” العويجة يرجع تاريخها إلى سنة 1947 و بمحاذاتها مسبحا مهملا مزخرفا و مزركشا كأنما انتهت به الأشغال البارحة.
أيضا جبال سكورة و الإحساس بانك في مجال غير المجال و للضفة الوسطى و الغربية سحر مختلف بسحر المرج و البساط الأخضر في شريط معماري مخضرم يزاوج بين البيت الطيني الأصيل و الهندسة المعاصرة على طول المسافة الرابطة بين ابن جرير و البريكيين و العاصمة و بوشان و على طول الطريق الرئيسية حتى سيدي بوعثمان ، و هناك محمية اجبيلات و حيث يعيش Gazelle dorcas في أدغال غابة كثيفة و عبرها الطريق سالكة إلى بوروس حيث المنطاد الهوائي و حيث دار الصانع و الصانعة و أنامل الخلق و الإبداع و حيث الوسطاء يسرقون أحلام المُلْهَمِين.
الرحلة شاقة و مضنية زحفا نحو اجعيدات حيث توجد دور الضيافة و عكرمة حيث الكهوف و راس العين و الطلوح على مرمى حجر من عاصمة النخيل ، و اختصارا المشاهد لا تعد و لا تحصى و مهما تم توصيفها و تصويرها فقد تفي بقليل من الغرض المطلوب و في نظرنا الرحامنة مغرية بالاستغوار و بالبنبش في ذاكرة منسية متورمة و مناطق ظليلة مطمورة في تاريخ الروابط مع أصول مشتركة و في تاريخ ناهض صاعد صنعه رجال العهد القريب فصارت للرحامنة تلك الصورة الجميلة مع قليل من الندوبات.