إعلان

إفتتاحية

كاريكاتير

إعلان

إعلان

الرئيسية » أخبار محلية » حين تلتقط الكتابة الصحافية بحرقة مرحلة انتقال حاسم في الزمن المغربي بأحلام غير منتهية الصلاحية

حين تلتقط الكتابة الصحافية بحرقة مرحلة انتقال حاسم في الزمن المغربي بأحلام غير منتهية الصلاحية

فاطمة وكيلي
ما أن أنهيت قراءة كتاب « أحلام غير منتهية الصلاحية.. في وصف حالنا » حتى أحسست بالكثير من الحرقة والألم، خاصة وأن السياق العالمي اليوم في هذا الزمن الكوروني الحزين يزيد من قسوة الأشياء والمحكيات من حولنا، هي مقالات ممتدة على حوالي 24 سنة من العمل الصحافي الذي قاد الصديق المبدع عبد العزيز كوكاس من أسبوعية « الزمن » التي احتضنت كتابات أقلام وازنة كمحمد سبيلا وبنسالم حميش ومحمد ضريف وفاتحة الطايب وغيرهم، إلى « الصحيفة » التي جسدت طموحات مرحلة زاخرة، ف »الأخبار المغربية » و »الأسبوعية الجديدة » ف »المشعل ».. حتى ضربه في أرض الصحافة هنا وهناك في منابر عديدة داخل وخارج المغرب، معظمها كان افتتاحيات أو مقالات تحليلية في مرحلة حاسمة من الزمن المغربي، مرحلة حارقة ومفصلية مع نهاية قرن وميلاد آخر بأوجاع مخاضه وأحلامه وخيباته وبقوة الأمل الذي حرر الطاقات المغربية والأخيلة وسط النخب وبينهم الصحافيين، ومع نهاية عهد قديم وميلاد عهد جديد، بقلقه وأمله، بسواده وبياضه، بأساطيره ومحكياته، بحقائقه وأكاذيبه أيضا..
حين نقرأها اليوم نحس بذات الوجع الذي رافق كاتبها لحظة ميلادها، ورغم أن الكتابة الصحافية خاصة الافتتاحيات هي بنت زمنها، والخلود ليس أحد خصائصها والموت ألذ مرافقيها، لأنها مرتهنة بما تعبر عنه في اللحظة التاريخية التي كتبت فيها، أي أنها لا تهتم بما شغل جلجامش للبحث عن عشبة الخلود، إنها ابنة اليومي والعابر والمار في الزمن، فكيف لمقال صحافي يترصد حالة عابرة أو حدثا عرضيا أو سلوكا سياسيا أن يخلد في الزمن؟ والصحافة عرضية، زائلة، كتاباتها بضاعة سريعة التلف لا تصلح للتخزين؟ هذا هو السؤال الذي يستبد بنا ونحن نعيد قراءة مقالات الصحافي والكاتب المغربي عبد العزيز كوكاس مجتمعة في الجزء الأول من « أحلام غير منتهية الصلاحية »، التي سبق أن قرأنا معظمها أو بعضا منها متفرقا، على مساحة زمنية تمتد عبر ربع قرن، أين تنتهي الكتابة الصحافية وأين يبدأ التاريخ؟ هل من الحدث السياسي أو الواقعة الاجتماعية المرصودة أم من الكتابة عنها وتدوينها، أي تقييدها، لأن الكتابة قيد والذاكرة مجرد قنص؟ هل تستطيع اللغة الإمساك بحرقة الوقائع والأحداث الجارية دون خلل في التصرف أو أن تموت الأشياء في حضرة الكلمات؟ كيف لمقال كُتب عام 1996 أن يستمر في الوجود بدمه ولحمه حتى عام 2020 وما بعدها بكثير كما أتوقع.. كأن الحبر الذي كتب به لا زال طريا لم يجف بعد، أو أن الأحداث التي يترصدها لا زالت هي ذاتها بيننا كأن الواقع ما تغير بالشكل الفجائي الانقلابي؟
يبدو الكاتب عبد العزيز كوكاس مستشعرا للغز الأسئلة المطروحة أعلاه، لذلك أورد في تقديمه للكتاب: « حين كنت أخط هذه الكتابات لم أكن أفكر يوما في إصدارها مجتمعة في كتاب، كانت وليدة اللحظة السياسية والصحافية التي أملت كتابتها، فالمقال الافتتاحي هو تعبير عن موقف من قضية ومحاولة فهم حدث أو واقعة، يفكر في اللحظة أكثر مما يهمه الخلود، لأنه مشروط براهن كتابته، لكن بعد مرور الزمن، ثمة ما يبقى صامدا، هل لأن الواقع لم يتغير كثيرا، أم لأن عمق الكتابة بكل الوجع المصاحب لها نجح في القبض على ما هو عميق في الميكانيزمات المحركة للأحداث والوقائع؟ ».. يلتقط المرحوم صاحب قصة « الفاركونيط » التي تشبه معطف « غوغل » الروسي التي أتى منها الكثير من المبدعين، وأخال أن عبد العزيز كوكاس أحدهم في مجال الصحافة وهو ما يقره بنفسه في مفتتح كتابه، يلتقط عبد الجبار السحيمي هذا البعد بطريقته الماكرة في شهادة حول كتابات كوكاس الصحافية بنباهة حين يقول: »لا أدري من أي معجم تستقي كلماتك المرحة وهذه التعابير التي ترشح بحيوية نادرة، حتى وهي ترصد أحزاننا وسقطاتنا تحافظ على رشاقتها وحبورها الأدبي، ظللت أداوم على تتبع كتاباتك كحبات الدواء اللازم لتوازني الوجودي، وها أنا أصبحت مدمنا على كلماتك الأنيقة.. لو تدرك إلى أي حد أصبحت دائي الضروري للاستمرار في التفاؤل ». نحن أمام كتابة صحافية متعددة الأبعاد، من هنا فرادتها التي جعلت الكاتب يحفر له أسلوبا خاصا في الافتتاحية والمقال التحليلي إلى جانب كبار الكتاب الصحافيين المغاربة، نجد أنفسنا أمام نص سياسي به وقائع وأخبار وأحداث جارية، وفيه تحليل صحافي برؤية سياسية متفردة وذات عمق ويرتكز إلى خلفية ثقافية لا غبار عليها باحتراف مهني مشهود لصاحبه به، وأمام نص تاريخي مليء بأحداث كبرى العديد منا كانوا شهودا عليها، كما أنها تمد الأجيال الحاضرة والقادمة بمعطيات عن مرحلة تاريخية ملتهبة خلال عقدين ونصب من الزمن المغربي المعاصر، وقائع مكثفة عاش الإعلامي كوكاس في قلب جزء كبير منها أو كان شاهدا عليها يلتقط من العابر واللحظي ما يؤثث به المسودة الأولى للتاريخ، كما يقال عادة عن الكتابة الصحافية الصادقة.. ونحن أيضا أمام نص أدبي يحتفي باللغة وغواية انزياحاتها، لأن عبد العزيز كوكاس صائد كلمات وباحث جيد عن العبارات الأنيقة التي يكسو بها جيد الأحداث والأفكار التي يريد التعبير عنها.. إننا أمام توليفة جميلة تجمع ما بين التحليل السياسي ورصد الوقائع ومتابعة الأخبار وكشف خلفيات السلوك السياسي والثقافي لمختلف الفاعلين أو الظواهر المعالجة، هذا المنحى أجمعت عليه كل الشهادات التي جاءت في مقدمة كتاب « أحلام غير منتهية الصلاحية »، تقول الباحثة زهرة العسلي: « كوكاس مشاكس دوما، كتاباته الصحافية تُقيم على حافة فخاخ الخطر، إذ ظل ينتصر لقيم الحرية والديمقراطية.. زاوج في كتاباته الصحافية بين المتعة والفائدة في آن، ونجح في إنقاذ اللغة الصحافية من بلادة اليومي وسطوة العابر، حيث منحها قدرا غير يسير من الخيال الإبداعي.. لقد كان يهرب أحلامه ومشاريعه الأدبية دوما إلى مساحة شاسعة من القراء بعد أن ابتلعته دروب الصحافة.. فقدنا في كوكاس غزارة إنتاج أدبي جميل، لكنه عوضنا بكتابة صحافية مبدعة حقا ».. ويسير في ذات المنحى الراحل عبد الجبار السحيمي والروائي عبد القادر الشاوي ومحمد الساسي الذي قال: « عبد العزيز كوكاس مبدع قبل أن يكون صحافيا وظل يمارس الكتابة الصحافية بنفس إبداعي.. إنه قلم جيد، صحافي ذكي، مرح، سديد، لمّاح، منصت ومتتبع جيد لما يحدث، وملم بكل تفاصيل الحياة السياسية، حاضر باستمرار بكتاباته.. وتحليلاته الصحافية العميقة ظلت سندا للسياسيين في فهم مجريات الحياة السياسية.. عندما تقرأ كتابات الأستاذ كوكاس الصحافية تحس أنها تجمع ما بين الإشراق الإبداعي والمتابعة الدقيقة للأخبار وتحليل الوقائع ».
إن عنوان « أحلام غير منتهية الصلاحية » يبدو مطابقا لما تعبر عنه المقالات الصحافية التي يتضمنها، أحلام أجيال في التحرر والانعتاق والعيش الكريم ورؤية مغرب يتقدم ومواطنوه ينعمون بالعيش المشترك تحت فيء شجرته الوارفة الظلال.. مختلفون، متنوعون، أحرار وبناة لوطنهم في ظل المساواة والحرية والكرامة والعدالة والحق في التنمية.. إنها ستظل أحلاما غير منتهية الصلاحية، ليس لأن لا شيء تحقق منذ نهاية القرن الماضي، ولكن لأنه في زمن الانفتاح السياسي يزداد الضغط الاجتماعي لتعزيز أكبر قدر من الحقوق في بلد يطمح أبناؤه أن لا تظل الديمقراطية فيه مجرد أمل نغازله من بعيد مثل سراب الصحاري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *