تحليل إخباري | نهاية مجلس الوصاية وظهور مؤشرات مغرب الحسن الثالث
احتفلت المملكة المغربية، مؤخرا، بعيد ميلاد ولي العهد مولاي الحسن الثامن عشر، ليبلغ بذلك سن الرشد القانوني، وتنتهي بذلك مسيرة التكهنات والنقاشات الدستورية والقانونية التي رافقت تنشئة ولي عهد عرش المغرب، خاصة فيما يتعلق بمجلس الوصاية.
فخلال شهر فبراير 2016، تداولت المواقع ووكالات الأنباء، نفس القصاصة الإخبارية تقريبا، وهي القصاصة المرتبطة بحصول رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، على العضوية في مجلس الوصاية، بمقتضى قرار للمجلس الوزاري الذي انعقد وقتها بمدينة العيون، لتكتب وسائل الإعلام الدولية أن ((بن كيران أصبح أول رئيس حكومة في مجلس الوصاية على العرش)).
إعداد : سعيد الريحاني
ولم يكن الحديث عن مجلس الوصاية بعيدا عن التأويلات، وقد يبدو هذا النقاش بديهيا، لأنها المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن شخصيات محسوبة على “الإسلام السياسي” لتدخل إلى مؤسسة كبرى بهذه الحساسية، وهو ما تطلب حسب المحللين، ((إبداء حسن النية)).
وقتها قالت الصحافة بلسان المحللين: ((واصل رئيس الحكومة، عبد الإله بن كيران، التودد إلى القصر في إطار حرصه على بناء جسور الثقة بين الإسلاميين والمؤسسات الملكية، وسط جدل حول استثمار الأمين العام لحزب العدالة والتنمية كل الإمكانيات والصلاحيات التي يمنحه إياها الدستور الجديد.
النسخة الأولى من المخطط التشريعي، التي أفرجت عنها رئاسة الحكومة بعدما سهرت على تنسيق تحضيرها الأمانة العامة للحكومة، أسندت للديوان الملكي صلاحية إعداد وتحديد موعد خروج القانون التنظيمي للمؤسسة التي ستضمن استمرارية العرش إلى حين بلوغ ولي العهد سن الرشد المحددة في 18 سنة وفق الفصل 44 من دستور المملكة، بالرغم من أن هذه المؤسسة ليست لها مسؤولية سياسية أمام البرلمان، وهو ما يجعل من الحكومة مجرد ساع للبريد، إذ يبدو أن رئيس الحكومة “نصف الملتحية” عبد الإله بن كيران، ماض في نهجه القائم على تجنب أي اصطدام مع المؤسسة الملكية، وترك الملفات الحساسة والمتعلقة بالشؤون الاستراتيجية للدولة بين يديها، فالمخطط التشريعي الذي وضعته الحكومة مؤخرا، ويغطي السنوات الأربع المقبلة، كشف عن قرار مسبق بتحول الحكومة إلى “ساعي بريد” بين القصر والبرلمان، لإعداد القانون التنظيمي المتعلق بمجلس الوصاية على العرش، والمصادقة عليه)) (المصدر: موقع فبراير).
وقد سبق لـ”الأسبوع” أن حكت قصة “القانون الذي صادق عليه البرلمان والمحكمة الدستورية ولا أحد يتمنى تطبيقه”.. ففي ظرف أسرع من المتوقع، أقرت المحكمة الدستورية “القانون التنظيمي المتعلق بمجلس الوصاية على العرش”، وأعطت حكمها النهائي معتبرة إياه موافقا لأحكام الدستور، وبذلك يكون هذا القانون الأسرع من نوعه في عهد حكومة بن كيران، قد استنفذ كل مراحل الإعداد.. وكان المتتبعون قد رصدوا تلك المصادقة السريعة على هذا القانون في ظرف قياسي ودون تعديلات(..)، تمت المصادقة على هذا القانون، لكن ظروف مناقشته لا تُنسى، حيث قال الوزير إدريس الضحاك، الذي كان يشغل منصب الأمين العام للحكومة أثناء تقديم هذا القانون: ((نتمنى ألا يعرف هذا القانون طريقه للتنفيذ، مع دعائنا لسيدنا المنصور بطول العمر ودوام الصحة))، مؤكدا أنه جاء فقط: ((لترسيخ القواعد الدستورية التي تنظم المؤسسة الملكية التي تشكل إحدى ثوابت النظام السياسي المغربي، بالإضافة إلى الدين الإسلامي، والوحدة الترابية، والمكتسبات في الحقوق والحريات))، ويمكن الرجوع إلى أرشيف البرلمان، للاطلاع على تدخلات غير مسبوقة فيما يتعلق بمناقشة القانون المذكور، حيث اتفقت فرق الأغلبية على إسناد الحديث باسمها في لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، للنائب البرلماني عبد الله بوانو، هذا الأخير اختزل كل شيء بقوله: ((إن الملك محمد السادس كبّر بينا (يقصد النواب)، وذلك بمنح البرلمان فرصة التصويت على القانون التنظيمي، لأنه كان يمكن ألا يحيل على البرلمان هذا القانون، في إطار ممارسته لصلاحياته في تدبير الشأن الديني.. سنرد الكبيرة بأحسن منها لجلالته، وسنصوت بالإجماع على هذا القانون))، ليرد عليه الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر بالقول: ((سنصوت بالإجماع على هذا القانون)) (المصدر: الأسبوع: “القانون الذي صادق عليه البرلمان والمحكمة الدستورية ولا أحد يتمنى تطبيقه”/ سعيد الريحاني).

يمكن القول إن المصادقة على قانون مجلس الوصاية شكلت تنزيلا عمليا لنصوص الدستور، حيث يقول الفصل 44 من الدستور: ((يعتبر الملك غير بالغ سن الرشد قبل نهاية السنة الثامنة عشر من عمره، وإلى أن يبلغ سن الرشد، يمارس مجلس الوصاية اختصاصات العرش وحقوقه الدستورية، باستثناء ما يتعلق منها بمراجعة الدستور، ويعمل مجلس الوصاية كهيئة استشارية بجانب الملك حتى يدرك تمام السنة العشرين من عمره.. يرأس مجلس الوصاية رئيس المحكمة الدستورية، ويتركب، بالإضافة إلى رئيسه، من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وعشر شخصيات يعينهم الملك بمحض اختياره، علما أن الدستور نفسه واضح فيما يتعلق بولاية العهد، في الفصل 43، الذي يقول: “إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك محمد السادس، ثم إلى ابنه الأكبر سنا، وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك، فالمُلك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور، ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر”)) (نفس المصدر).
كل هذا الكلام لم تعد له أي قيمة تذكر انطلاقا من يوم السبت الماضي، فولي العهد لم يعد في حاجة إلى مجلس الوصاية ببلوغه سن الثامنة عشر من عمره، حيث أصبح بمثابة “ملك صغير” في ظل “ملك كبير”، هو الملك محمد السادس، ابن الحسن الثاني.. الذي ينبعث من ذريته اليوم، مشروع الحسن الثالث.
إن الحديث عن الحسن الثالث، لا يمكن أن يتم دون ربط الماضي بالحاضر، هذا الربط يمكن استلهامه، على سبيل المثال، من حديث قيدوم الصحفيين الراحل مصطفى العلوي، وهو يحكي ما قاله ملك عن ملك، ما قاله جلالة الملك الحسن الثاني عن والده المقدس محمد الخامس، وهو قول يعتبر كالطابع المذيل للصك التعاقدي: ((.. فعندما كان جلالته وليا للعهد، قال عن ملك البلاد: “إن الملك هو بمثابة المرآة، وما دام كل مغربي يرى نفسه في تلك المرآة، إلا ويمكن له أن يقول إن السيادة المغربية هي منوطة بذلك الشخص الذي على رأسها، وأحسن طريقة للمحافظة على تلك المرآة، هي إعطاء الشعب حقه الكافي في تسيير الأمور”.. وجدت هذا التصريح لجلالة الملك عندما كان وليا للعهد، في الوقت الذي كان يضع الأسس في الماضي لمغرب الحاضر، على شكل محاضرات كان يلقيها في فاس ومراكش والمعمورة، يرسم خلالها الخطوط العريضة لذلك الصك التعاقدي، وجلسات كان يعقدها معنا، نحن الصحفيين، بصفة دورية في قصره بالسويسي.

