الأخلاق و التربية أساس نجاح الثورات
يتوج المسار الديمقراطي للدول التي لها إرادة الإصلاح و البناء من اجل الشعب و ليس من أجل فئة معينة أو عصبة بعينها أو من اجل البريستيج و التباهي أمام باقي الدول، بعلو الشأن و الريادية في جميع المجالات، و دخول باب التاريخ من الأبواب الواسعة، و إعطاء النموذج الفريد، فتصير نماذج يقتضى بها و ظواهر عصية على الفهم، و دروس و عبر تصدح بها حناجر الأكاديميين في الجامعات و المعاهد الكبرى.
و تكمن القوة الكبرى حسب المحللين و السوسيولوجين المتتبعين لمسارات الدول الناجحة، في الاستثمار في العنصر البشري، عبر تأهيله تأهيلا كاملا و فق منظومة مندمجة، يتقاطع فيها الاجتماعي بالاقتصادي، دون أن تتعرج على الأخلاقي و القيمي، الذي يعد صمام أمان نجاح الثورات من الاندحار و الفشل و إعادة إنتاج سيناريوهات الماضي بحلة جديدة، حيث تبقى الأخلاق و التربية السليمة على المبادئ الطهرانية هي أساس بلوغ المرامي و المساعي، إذ لا يمكن إنتاج إنسان سليم واعي بذاته و بما يدور حوله و متحمل لمسؤوليته على أكمل وجه، إذا لم نتمكن من ضمان حسن تربيته و نشأته النشأة السليمة، باعتباره ضمير الأمة، و رجل المستقبل.
و بتتبع مسار الثورات العربية، و ما عرفته من ايجابيات و سلبيات، يتبين جليا أن العقل العربي ما زال نائي المزار عن كل تأهيل، فبخلاف ثورتي تونس و مصر اللتان أبانتا عن وعي نسبي لذا شريحة مهمة من المجتمعين، تمثلت خصوصا في ما يطلق عليه شباب الفيسبوك و الطبقة المتوسطة اللتان قادتا الاحتجاجات، تبق النسبة المهمة من البشر خارج دائرة التاريخ تجيد فقط لعبة الترقب و الانتظار، و تردد أغنية الشعب مع من أصبح لا يهمها أن يتوج نظام استبدادي أكثر من سابقه، نجد باقي الدول كليبيا و اليمن و سوريا، أكثر الدول قتامة، ظهرت فيها ملامح مخيفة لمجازر القتل و الذبح و سفك الدماء، منطلقة من عقل ذو حمولة منغلقة وفق قيم غير أخلاقية و ترسانة قيمية ذات مغزى انتقامي و متشبع بالعنف و العنف المضاد، لم يستطع أن يتعايش مع مظاهر التحضر المبنية على الخلق العظيم.
فما على الحكومات التي توجها الربيع العربي، أو التي ما زالت متربعة على عروشها، أن تسلك مسلكا أخر و تنطلق منطلقا أخر و هو تأهيل الإنسان، بعيدا عن الشعارات الخداعة و اليافطات البراقة خاصة يافطة كونية حقوق الإنسان، باعتبار أن الحقوق تعطى لمن يقدرها و يدرك معانيها و تربى على قيمها و تشبع بمبادئها، و ليس لشعب لا يعرف منها إلا الاسم، و يستخدمها في غير محلها.
فإننا أحوج منا اليوم إلى مربين و معلمين و أساتذة من أمثال السي برابحة و السي عبد الرحمان المستعرب رحمهم الله و السي صعيد و السي الضو أدام الله في عمرهم، الذين نفتخر بهم و نكن لهم كل الاحترام و التقدير، بحيث استطاعوا أن يزرعوا فينا قيم و مبادئ نبيلة، قلما نشاهدها اليوم عند المتمدرسين من هذا الزمان، و التي أخذناها عنهم غلابا بالعصا أحيانا و الصفع و “الفقلقة” أحيانا أخرى، حيث بقيت تعليماتهم و وصاياهم راسخة في مخيلاتنا و ترددها ألسنتنا إلى اليوم، رغم القساوة و المحن التي عانيناها جراء المعاملة التي يمكن أن يقال عنها أنها ديكتاتورية، لكن الحق يقال فكل ضربة من يد أستاذتنا كان لها الفضل في تكويننا و مسار حياتنا.
يمكن أن يكون للدولة مبرر في استعمال العنف إذا كان يصب في إصلاح حال و أحوال البلد و يربي العنصر البشري.
