التعاقدات الإجتماعيةالكبرى/النخبة / ونهاية “نموذج”.

0

في هذه الثلاثية المفاهيمية التي تتعلق بالتعاقدات الاجتماعية الكبرى تم بمفهوم النخبة ونهاية نموذج للتنمية والحاجة إلى التطلع نحو خيار استراتيجي تنموي آخر ، كل هذا يحيلنا على واقع كل مرة يتطلب من المتتبع والقاريء والباحث، وكذلك الإنسان العادي الذي يحيا في هذا العالم وهو يكافح تارة ؛ من أجل البقاء servi أو من أجل الكينونة أو العمل لمصلحة الغير ، اكان واعيا بادواره أو غير مدرك لتلك المتطلبات، أو من يكافح من أجل الحق في الكرامة وقيمة الإنسان من أجل ما ذكرنا أنفا، ومن خلال كل بقية التفاعلات الطارئة والمنظمة و النقاشات الخاصة والعامة ، من أجل مختلف الرهانات والتبادلات والمصلحة الاجتماعية في مجتمع يراهن على أدواته ( القانون – الاخلاق- المدرسة ) وفي عالم يتغير . في كل هذا يعود النقاش اليوم لدى الاوساط الأكاديمية المنتمية سواء الى الدول أو الكيانات الإقليمية الكبرى، أو تلك التي صارت مقبولة لأي دولة استشعرت امتلاكها المكانة لتشارك في مثل هذه الاختيارات للعمل الدولي الذي تقوده مراكز للتفكير Think tank فاعلة ووطنية، أو التي يتزعمها جنود من الدارسين والباحثين عبر منظمات تجوب الكون شرقا و غربا تبحث في كل شيء من الذرة إلى ما وراء الجبهات المفتوحة على اشكال الذكاء ( العاطفي- الاقتصادي – الإصطناعي- المعرفي-الترابي …) .كل هذه الاوساط تحاول بالنظر إلى حجم التفاوتات الواضحة بين ضفاف القارات:( الأوروبية ،الامريكية،الاسيوية،الأمريكية ،الافريقية ) منشغلة لتجنب الأسوا فيما لو لم ينتبه هذا العالم إلى إعادة بعث مفهوم ” التعاقدات الاجتماعية الكبرى” التي من شأنها أن تؤثر على حركة الإقتصاد وحركة الملاحة والطيران والصحة والاتصالات، فاذا خسر العالم هذا المنظور ، بحكم أننا صرنا نعيش جميعا في “قرية صغيرة le petit village”. فإن تأثيرات ستنبعث من هنا أو هناك لها نتائج على الكل، ذلك الكل بمنطق هيجل ( totalité ) الغير المتشظي أبدا، تدعمه حديثا نظرية الفراشة l’effet papillon chaotique فيزيائيا والتي ماهي إلا امتداد للابحاث “الإمبريقية التجربية”، التي لا تعني أكثر من إمكانيات” الإلتصاق الحادة “التي صارت تجمع العالم في خيره وعند شىروره ، وأن حدوث فعل بسيط في شرق المتوسط يمكن لانبعاتاته وتجلياته, أو بالأحرى بقاياه أن تصيب حدودا لامتناهية . دليلنا في ذلك ما عاشه العالم ولا يزال يعيشه من خلال كلفة الاخطار المرتبطة بالمناخ والاوبئة Épidémiologie التي… في خلال ساعات وايام معدودات من مطلع شهر مارس من عام 2020 سارع العالم إلى الاغلاق- كأنه بيت واحد تضرر- بما ينبيء أن الإنسان لم يبتعد عن كل تحليلات الفلسفة حول فهم الظواهر التي لا تحيل دائما الى فوز الفرد بأي صفقة يعقدها لوحده على حساب الجميع… بينما الأصل هو العكس؛ التهديد جماعي سليم بمنطق “إميل دوركايم”.

وبالعودة إلى المفهوم الأول الذي أوردناه والمتعلق بالتعاقدات الاجتماعية الكبرى ، فإنه يتبادر إلى الذهن مباشرة مفهوم التعاقد، وفلسفة التعاقد ،وفلاسفة التعاقد، سيقول قائل لقد تعلمنا منذ سنوات وعقود أن هذا المفهوم هو الذي يحكم العلاقة فيما بين ( الدولة – الأفراد)، وأن كل ما سيتلو هذا الجهاز المفاهيمي صار مجرد ( اكليشيهات) في مناطق من العالم و( حقائق ) في بلدان أخرى . هذا كله تقدير لا غبار عليه ،و لكن دعوني هذه المرة وقد اطلعت بما يكفي على نص أو كتاب للاستاذ الكبير إدريس الكراوي ،استاذ الإقتصاد والذي شغل أكثر من مهمة ترتبط رأسا بمجال تخصصه ، تارة بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئ وبمجلس المنافسة ،ومنظمات وطنية ودولية ومهام تتعلق بالتنمية وبموضوعات العمل الاجتماعي . فقراءة كتابه “التنمية نهاية نموذج ” بكل ما تحمله هذه الدراسة من فهم وتفسير للوضع الدولي والعربي والافريقي، وعلاقة المغرب بموضوعات تتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة وغيرها، تجعلنا نقف بعضا من الوقت لنكتشف مع الرجل مفهوم “التنمية” اليوم في مقاربته ليس كما علينا تخيله أو تصوره .. بل بالعكس لأستاذ إدريس الكراوي اعاد تركيب كل الخطوات الكبرى بدأ من “القواعد القانونية” المعيارية في التنمية إلى التصريح ، أو لنقل استنتاجات الباحث بالصفحة الأخيرة ومفادها :* أن نموذجا لما كان سائدا حول التنمية قد انتهى، وعلينا بالتالي الاهتمام بالبحث عن ما افرزته الشروط والظروف العالمية لمجتمعات” مابعد صناعية “في كل مناحي الحياة حتى نعيد تحيين الرؤية وتعديل العدسة* .

فيما سيأتي سيتناول إدريس الكراوي المغرب ببعده المحلي ( الميكرو) تم القاري والدولي ( الماكرو) ، من خلال علاقة هذا المغرب بفرنسا وافريقيا على مستويات قطاعية مهمة تبحث لنفسها عن معانقة شكل الدولة التي تواكب سير العالم بوضع متقدم واع انتقالي، إزاء هذا الكل الغير المتجانس . لذلك فإن من جملة ما سيتناوله المؤلف هو مفهوم “التعاقدات الاجتماعية الكبرى” التي جاء فصل كامل في كتابه يلخصها، وتتعلق هذه التعاقدات بثنائية : الكرامة وقيمة الإنسان.

طبعا للوصول الى هذه الغايات يعيد المؤلف تشييد نموذجه الجديد لمفهوم التنمية، ويبني طرحه على مجموعة مفاهيم اجرائية :

+ السرعة المذهلة التي صارت تتقادم بها المعارف والمهارات والمؤهلات والمهن والتكنولوجيا.

+ الوعي الكوني لساكنة العالم من خلال: اما أشكال عفوية منظمة أو عن طريق حركات تقف عند حدود الاحتجاج والتمرد قاسمها المشترك رفض الفقر والبطالة والهشاشة والتهميش.

+ ظهور اجيال جديدة من الحقوق الاجتماعية.

+ الحاجة إلى إنتاج نظيف.

+ تعدد المسؤوليات: الاجتماعية ،البيئية والمجتمعية.

+ الانتهاء النسبي لعهد الحقوق المضمونة.

+ الحاجة إلى مؤسسات الوساطة وفضاءات الوساطة.

+ إعادة النظر في مهام المدرسة.

+ رهانات الانصاف الإجتماعي عبر أرضية للحماية الاجتماعية الشاملة.

+ الحاجة إلى جيل جديد من النقابات والنقابيين من المقاولات والمقاولين.

+ الحاجة إلى حكامة المدن ، واستشراف ترابي وذكاء ترابي كذلك

+ رؤية ماكرو مجالية للأمن الشامل.

+ تدبير المهاجرين.

+ تدبير أماكن العيش الجديدة للشباب على النظام الرقمي وتاثيرها على إنتاج القيم والهوية.

+ تكريس الجهوية الموسعة بما تحمله من مبادئ وتنزيل النموذج الجديد للتنمية بالاقاليم واعطاء دور مستقبلي. للاقاليم الجنوبية في الاندماج الجهوي بين المغرب وافريقيا

+ الوعي بالتحديات الاجتماعية ذات الأبعاد المناخية. المفجرة لاجيال جديدة من الصراعات والحروب.

+ تدبير الندرة وتدبير الوفرة.

+ الوعي بوجود أجيال جديدة من المواطنين والمستهلكين.

+ اليقين المجتمعي بنهاية العمل المأجور التقليدي وظهور أشكال جديدة من العمل أو التشغيل / الذاتي/ المستقل/عن بعد /العقود المحددة .

ختاما في هذا الطرح الموضوعي الاستشراقي ذي الرؤية العالمة القارئة للرهانات العالمية ( الماكرو والميكرو) التي تهم بالتالي الجميع ، هنا يحسم الاقتصادي المغربي بأنه في حالة عدم الوعي واتباع هذه” المتغيرات” والتحولات المشروطة طبعا بفهم ما يتوجب فعله, فإن التعويل على ما كان يعتبر نموذجا للتنمية هو ضرب من الخيال لأن هذا النموذج انتهى ؟!

رجوعا إلى التعاقدات الاجتماعية الكبرى عصب المقالة، فإنها بنظر الباحث :” لحمة التماسك الاجتماعي واساس التنمية المستدامة والاطار الأنسب لتعزيز الأسس الوطنية للحماية الاجتماعية في العقود القادمة من القرن الواحد والعشرون قرن الكرامة وقيمة الإنسان”.

وعليه، وإذا عدنا إلى مفهوم الكرامة، فإنه لا يعني عند الأستاذ الكراوي إلا :” حالة الكائن البشري وقد تمت تلبية كل حاجياته الاساسيه ،انطلاقا من الإستفادة الفعلية من الحقوق الإنسانية الأساسية في إطار معاملة لا تقوم على التمييز حسب الجنس أو السن او الوسط الاجتماعي أو مقر الإقامة أو الوضعية الصحية للفرد” .

ولا تكون مكانة المفهوم الآخر المتعلق بقيمة الانسان أقل مما سلف، فهي مرادف :” تحقق ثلاثة عناصر ، الاعتراف والاعتبار والاشراك ، اشراك كل المواطنين في اتخاذ القرار وتدبير الشأن العام ، وفق معايير أساسية تتعلق بالديمقراطية والاستحقاق والكفاءة والانصاف والمسؤولية والعدالة والمساواة والاندماج الاجتماعي والسوسيو- ثقافي والسوسيو -مهني “.

يصير تسلسليا كون هادين المفهومين متلازمين للقول بأن المغرب بلد يريد أن ينتمي إلى هذه الاختيارات التي تبدو الورقة التي تنتجها المؤسسات الدستورية ( المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئ) واقع حال فيه كثير من الرغبة ، ويعبر عن خيار و عن” ميثاق اجتماعي” عليه أن يستجيب إلى الحاجيات الراهنة وحاجيات الأجيال القادمة، والرغبة وحدها لا تكفي( غالبا) ، لأن هذه الحقوق المدنية الجديدة صارت تحتاج عمليا الى إطار مرجعي عليه أن يجيب عن 39 مبدأ وحقا اساسيا يحظى بالالزامية القانونية ، تتفرع عنه 92 هدفا اجرائيا يقوم على 250 مؤشرا للتتبع والتطوير.

في كل هذا الذي اتينا على جرده يظهر السؤال الأعظم من وسط الدفاتر : أين هي النخبة التي يحتاجها مشروع جديد للتنمية بالمغرب ؟ أو بشكل آخر : من سيقوم بتنزيل سليم للجهود العلمية والدراسات والابحاث التي تنتجها المؤسسات المرموقة للتفكير في قضايا التنمية وطنيا ؟

من هي هذه النخبة ؟ اعدادها ؟ مجالات اشتغالها ؟ همومها ؟

بهذا نكون نعبر معكم سويا إلى الشق الثاني من المقال لنبحث عن أماكن تواجد هذه النخبة وهل توجد بالفعل ؟

يقول إدريس الكراوي في مستهل الفصل الأول الخاص بالتحديات التنموية المستقبلية: “لن يكتب النجاح لهذا التحول النوعي إلا إذا آمن الجميع بجدواه ، وعمل على تجسيده على أرض الواقع عبر نشأة جيل جديد من المقاولين والمقاولات، من النقابيين والنقابات ، ومن المسيرين والإداريين ، ومن النخب السياسية والعلمية والثقافية والاقتصادية والإدارية والمدنية تلك الكفاءات المتميزة بقدرات منفردة وبالنزاهة والالتزام العالية الكفاءة “.

هل يمكن أن نقوم اليوم بتقييم لأداء النخبة ، إذا ربطنا كل هاد المتن النظري للأستاذ إدريس الكراوي وهو واحد من الذين رسموا المعالم الكبرى الى جوار آخرين حول (مغرب ممكن ) يستجيب للجميع ،لسكانه ولاجيال جديدة من المستهلكين والمواطنين وللحاجيات .

إن الكتاب مليء بالارقام والدراسات المقارنة ،وتحدو صاحبه رغبة في إقامة التغيير كما يظهر أنه فلسفة دولة تصطدم بالكثير من الاكراهات( الكمية ) الرقمية في حجمنا وحجم غيرنا على مستويات التجارب والانتظارات و التكهن الصلب بالمستقبل.

في الختام أخاف أن تمر عقود القرن الواحد والعشرين الذي يمثل حدودا فاصلة بين مجتمعات ستستفيد نظريا من علمائها ومفكريها وابحاثها و بالقدرة على تنزيلها إلى الواقع عبر نخبة كما يرسم معالمها الكراوي، وبلدان أخرى ستعيش نفس البحث، ونفس التيه، كالذي يرسمه ( تشارلي شابلن )إلى غاية اليوم في سلسلة dog ‘s life الهشة حدود الوقاحة .فنحن في السينما بالكاد نسخر من حجم معاناة واحد تائه في أحياء لندن ووراءه كلبه لا يجدان ما يقتتانه ، فعنف السينما الصامتة يجرح كرامة العاقل مهما كان الزمن يعود إلى 1918، إلى تلك الظروف التي وعى بها شابلن( منتجا ومخرجا وممثلا وبطلا) بحكم أن الفن هو تعبير وتطهير وفضح وتاريخ و لغة …قد نضحك على ما يحمله إلينا من هشاشة الوضع أو قبحه، أو نبكي مع البطل لتجاوزه، تفاديه، مقدرته على ردع خصومه. لذلك فالامر كله ليس إلا “تطهيرا ” كما تحيل الى ذلك فلسفة” ارسطو كانط ،ماركس ، برجسون جيل دولوز ولودفيف فيدفيدشتابن ” في اللغة والتراجيديا ومفهوم الطبقة، كذلك …فالقراءة الداخلية والخارجية للفرجة من حق الناقد، لأنه من يملك القدرة مرة أخرى على فهم ظروف 1918 التي يعيدها علينا لغاية اليوم نزق شابلن مهما ابتعدنا… يعيدنا من خلالها إلى الجوع والعراء والضنك المرتبط بهندسة الحرب، ونتائج الحرب ،ونتائج النخبة التي احرقت لندن والقارة الأوروبية يوما ….قراءة كتاب بهذا العمق في التحليل يطرح نهاية من اختيارين :

– اما أن نتفهم واقعنا الذي يحتاج الى بناء تشاوري حتمي لنموذج اجتماعي جديد .

– أو نغمض العين على حقيقة الأجيال الجديدة من الحجر والبشر، وعمق الطلبات الاجتماعية ،والادعاء بأن تشاري شابلن يمكنه أن يهرول بعصاه مرتين في التاريخ لا مرة واحدة .

 

– صبري يوسف كاتب رأي وباحث في سوسيولوجيا التنمية

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.