عيد العرش : ينتصر للحريات وتكريس دولة الحق والقانون بالمغرب
عاش المغاربة ليلة أمس حدثا كبيرا موازيا في الدولة المغربية ككل مرة للانتقالات التي تقوم بها سلطة هذا البلد العليا بشكل مدهش لا يخطر على بال، فقد صدر عفو عن مجموعة من الصحافيين والمدونين وكتاب الرأي ونشطاء حرية التعبير بهذا الوطن، وفي البداية دعونا نهنئ أنفسنا على هذه الخطوة الكبيرة في طريق سيادة دولة الحريات والقانون، في بلد يحتاج إلى أبناءه… كما يحتاجون هم كذلك إلى وطن يسع الجميع ويضمن الكرامة للجميع.
العفو عن سجناء الرأي بتقديري يبعث أكثر من رسالة وإلى أكثر من فاعل()، ويدعو إلى وقفة لفهم معاني وغايات هذا السلوك، الذي يعيد القطار إلى السكة ويربط المغاربة وضمير هذه الأمة بماض قريب كان التعويل عليه مهما لإنقاذ البلد من السكتة 1999 “التناوب التوافقي”… والذي كان أي- التناوب- اجتهادا ساعتها “خارج الدستور” لتعبيد الطريق لعهد جديد، يتمتع فيه المغاربة بالحقوق المشروعة، ويردم هوة كانت لا تزال قائمة بين فاعلين اثنين: القصر والنخبة السياسية . بينما سيكون العهد الجديد وأعوام 2001-2002 ورغبة الملك محمد السادس في اتجاه بناء مؤسسي واضحة، و دستور 2011 نتاجها الموضوعي المجتمعي فرصة جديدة في تاريخ الدولة المغربية، وقبله سيتمظهر ذلك في انتخابات 2003 التشريعية التي لم يشك أحد في نزاهتها، مرورا بإنتاجات “مفاهمية” Conceptuels لعهد جديد بآليات وأدوات ومؤسسات تركت غيرنا غير قادر على استيعاب هذا العبور من وادي إلى أخر: تقرير الخمسينية- المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وقبلهما هيئة الإنصاف والمصالحة، الدولة الاجتماعية والبحث في جوهر الإنسان وقيمة هذا الإنسان المغربي الذي عليه أن يعيش كريما معافى متعلما …وهو ممكن.
قد يكون ما يحصل منذ الأمس بالعفو عن صناع المحتوى الهادف والرأي والكلمة، أن الدولة وقد بدأت محاربة الفساد من أجل إقلاع حقيقي وتصحيح للمسار، وربط لخطاب التاسع 9 من مارس بالزمن الراهن باعتباره دستورا للعهد الجديد… وعليه أن يظل الفيصل بين الجميع،لتوكيد دولة الحريات والحقوق والالتزامات ، وهنا يتطلب الأمر بالنسبة للدولة وجود دعامة أخرى ترتبط بتقوية حقل الحريات مقابل محاربة الفساد، ولأن نشطاء حقوق الإنسان و الصحافة الجادة والمستقلة، ونشطاء الرأي هم وقود التغيير باعتبار الصحفي ، مدافعا عن الحريات ويوجد دائما في الخندق الأول لتجنب ممارسات وتراجعات قد لا تنتبه إليها الدولة من قبيل: «الفساد السياسي والإداري- الشطط في استعمال السلطة- غياب العدالة- استغلال النفود- احتقار المجتمع « وهلم جرمن الممارسات التي يمكنها أن تعيد المجتمع إلى وضع تخلص منه ( بالقانون والمصالحة وجبر الضرر، وعدم تكرارا ما جرى وتعويض الضحايا ووقف الانتهاكات) فيعيد هذا الأخير التذكير بسمو الدستور ، فالصحافة الجادة والمستقلة ونشطاء حقوق الإنسان تتعدى أدوارهم ما يرتبط بالنقاش العمومي إلى مراقبة الشأن العام وأدوار المؤسسات الدستورية، وفضح الفاسدين والتعبير عن ذلك بكل حرية، وإذكاء روح المواطنة وصناعة الرأي وتنشيط مجال حقوق الإنسان. وهذه المهمات لها جنودها، وبالتالي اقتنعت الدولة بإمكانيات” قوى مضادة ” أو “الرأي الأخر” الحر والنزيه، حيث يسمح لها القانون والدستور بأن تساند في الإصلاح والتوجيه وتسخير أدائها المعقول لأنه أساسي لبناء ديمقراطي ولعدالة انتقالية تساهم النخبة الحقيقية النظيفة ( صحافيون. مثقفون.فنانون. سياسيون.خبراء.مواطنون) في تهيئة ظروفها.
دعوني استعمل هنا مفهوما أبدعه المفكر وأستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري” محمد ظريف” وهو يقوم بقراءة داخلية وخارجية للأحداث بالمغرب منذ “التناوب التوافقي” إلى حدود الذكرى 25 من حكم الملك محمد السادس التي أطلق عليها ظريف اسم ” الملكية الثانية”، وسرد بالتفكير العميق والتحليل كل مظاهرها إلى غاية الاحتفالية بعيد العرش التي نحياها. كان ظريف غير متفائل ساعتها وهو يشرح المحطات، أي قبيل يومين من كتابة هذه المقالة، وأعتقد قد يكن غير رأيه بعد هذه الأخبار السارة، إذ سوف ينهي ندوته التي حملت عنوان ” التطور الدستوري والمؤسساتي في المملكة المغربية خلال 25 سنة من حكم الملك محمد السادس” بنظرة العالم التي تحمل بالداخل منه املأ مجروحا، عدده في الأزمات الاقتصادية الكبيرة، ووجود مافيات تتحكم في كل شيء حسب قوله ، وأن الضمانات لم تعد متوفرة ، وأن التضييق في الحالة الراهنة سياسيا مختلف عن الماضي… فهو في السابق كان بأساليب” أمنية” أما اليوم فهو من خلال الخبراء والتكنوقراط بحسب تعبيره، وأننا تأخرنا بنظره في مسار التطور المؤسساتي… ظريف الذي اعتبر العهد الجديد قد اشتغل لقرابة 12 سنة بدستور قديم إلى حين اللحظة المرتبطة بدستور 2011 .هنا يقول: يمكننا بداية الحديث عن فلسفة أخرى للحكم، مع قراءة في الفصول الدستورية على غرار 47.41.42 وانتقال الملك بحسب ظريف من رمز للأمة إلى رمز للدولة… وهناك بحسبه فروق كبيرة بين المفهومين وأن المنتخبون هم من صاروا يمتلون الأمة .
بالعودة إلى تأمل ما حصل بالأمس ، وما سيتلو هذه الخطوة في انتظار إغلاق ملف سجناء الريف وبقية سجناء الرأي الأخرين الذين سيغادرون بحسب ما يظهر من خلال انفراج يريده المغرب، وسلطة هذا البلد، ويؤدي فيه الحقوقيون والصحافيون وشرفاء هذه الأمة ونخبة توجد في كل مكان من مفاصل الدولة بجهود لتحقيق قفزة مجتمعية، فإن المغرب فعليا يؤسس لمستقبل ويستشرف رؤية 2025 ( تقرير الخمسينية) بمزيد من وضوح الرؤية في مجال الحريات والحقوق، وتكريس دولة الحق والقانون بعيدا عن أي ممارسة ضارة محليا ودوليا،ونحن بحاجة إلى رص الجبهة الداخلية التي لا تتحقق إلا بالكرامة والمواطنة، والعيش المشترك على هذه الأرض التي لا مجال فيها للفساد والفاسدين، وهنا استعير من الصحفي “حميد المهداوي ” في إحدى حلقاته عبارة “الموظف المرعود” ، فالإشارات الملكية ربما توجيهية… نحو إعطاء مزيد من الدروس إلى كل فاعل بهذا البلد…و أنه علينا بتحمل المسؤولية وفق القانون ووفق مهارات وقدرات ذاتية، وفهم للاتجاهات Attitudes والمسارات التي تحتاج إلى الشجاعة والرؤية المتبصرة من أي موقع والى القوة واليقين واحترام الذات والغير…لأن الأخطاء تمس في الجوهر كل مناحي الحياة وستحتاج منا جميعا إلى أثمنة كبيرة لتداركها، فنحن لسنا وحدنا في هذا العالم، بل يوجد غيرنا ويراقبنا الخصوم…المغرب اليوم أعتقد أنه صار يطوي صفحة يبهر مواطنيه والعالم بجرأة الذهاب نحو الأمام وليس الخلف، وأن حق هذا المواطن في التعبير والرأي مصون ، وأن دستور 2011 هو الضمانة، وأن الفاسدين الصغار والفاسدين الكبار بتعبير “ايريك فروم ” ( الشرور الصغيرة والكبيرة) Small and Big Evils يتوقف الأمر على محاربتهم بأدوات مجتمعية مشروعة أقواها: تكريس اختيارات الإنسان المغربي داخل فضاء الديمقراطية، وداخل مفهوم الإنسانية الذي نحثه “ايريك فروم” وهو يتحدث عن المجتمع الغربي بعد الحرب العالمية الثانية في ثلا لقاءات كبرى أعوام :1960-1962-1964 حملت عناوين بارزة :
– Western Man Today and His Choices
” الإنسان الغربي في الوقت الراهن واختياراته”.
– On Mental Heath
في الصحة العقلية
ختاما ، لم أفرح منذ فترة كفرحي بالأمس وطول الليل إلى غاية الصباح وهي عادتي عندما أعيش نشوة انتصار محدد خصوصا في مجال حقوق الإنسان وإرساء الديمقراطية بصرف النظر عن الأمكنة والأزمنة إنما في النهاية يخدم كل البلد وكل الوطن، وتذكرت رفقة وجوه من إعلاميي مدينتي الذين كنت وأياهم لسنوات طويلة 2006 إلى غاية 2018 نخوض في كل وادي ،ننشد الحرية وقيم حقوق الإنسان بدون كلل ولا خوف ، بينما كانت كتابات توفيق بوعشرين تمدنا بمزيد من الجرأة الواعية التي كانت تتطلبها ساعتها المجالات الصغيرة والمدن والأقاليم المحتاجة إلى حركة نقدية لإيقاظ الضمير وإصلاح بالمحاججة الفيلسوف”طه عبد الرحمن” التي كانت تعيش أعراض “نشوة “ما بعد دستور 2011 ، التي كانت تعد بغد مشرق للجميع …ليلة أمس تذكرت كل كتاباتي وكل عذاباتي وسجوني ولحظة فوز هؤلاء شعرت بأن الكتابة والتعبير والقلم الذي كسرته قبيل اعتقال بوعشرين خوفا من العاديات وانصرفت بعده للتعلم …علي أن أقوم بنحته من جديد، لأن المغرب يريد من أبناءه جميعا أن يساهموا في سبيل استعادة زمن والمشاركة فيه بشكل واع ومسؤول وصريح .
صبري يوسف :كاتب راي وباحث في علم اجتماع التنمية
