فيلم “في انتظار بازوليني “…الامل المعقود على التلاعب بالغير

0

سيكون جزء مهم منكم تابع الفيلم الخفيف الضل “في انتظار بازوليني “,للمخرج المغربي داوود ولاد السيد ،انتاج عام 2007، وبمشاركة نجوم كبار محمد البسطاوي محمد مجد ومصطفى تاه تاه.

الفيلم يتناول قصة انسانية عامرة بالمشاعر والنبل والتعارض بين القصد وعدمه ،الذي يملا قلب رجل اشتغل خلال سنوات بعيدة مع المخرج الايطالي الكبير” بازوليتي “باحدى افلامه بمدينة السينما ورززازات. الرجل ذاته سيجد نفسه “امة” وسط مجموعة من ( البسطاء ) الراغبين في الاشتغال “ككومبارس” بفيلم جديد لا يعرف توقيعه . هنا وضف المخرج حاجيات مجتمع مختلف الاعراق والالوان والنوايا والاماني والامال، والاعمار كذلك ،ليضعنا امام واحدة من الاشكال الاولية لوجود البشر وهو مفهوم “تناقض الرغبات ” وتشعبها …و التي تحدو كل صاحب فكرة يريد تحقيقها من خلال ادراج مفهوم المال (لفلوس) شرطا لتحقيق تلك الغايات، ووحده الفيلم القادم من سيفي بالغرض، طبعا خلال مسار الاحداث Repliques وتنوعها وتشابكها تظهر شخصية” التهامي” الذي يتحول الى “حامل للبشرى” ،مدعيا بكون المخرج الايطالي هو صاحب الفيلم الجديد، ويقدم نفسه خلال” تيارات الفيلم الاجتماعية والنفسية “بكونه الحل والفصل في هذا الباب ، بمعنى انه الوريث الشرعي الناطق باسم بازوليني،(نبؤته وقدره ) ومقدرته ، او بمعنى اخر متملك لذات المخرج ، كانه مدير اعماله والعارف بنواياه في شغل السينما، بينما الحقيقة شيء اخر، وهو ان المخرج الايطالي مات وفارق الحياة منذ زمن، وان كل هديان التهامي سولته له نفسه، او اراد زرع الامل في نفوس ذلك الحشد من البشر الراغبين في فرصة كومبارس، والذين تجمعهم بالتاكيد تفاعلات وعلاقات وروح للجماعة تنتهي وتبدا سجالاتها بمسجد” التجمع” خارج اوقات الصلاة وبعدها و كل حين، وكان المخرج اراد ان يشيد لنا بيئة مواتية لنفس الطقس و حكاية عيش الاهالي بكل مجال مهما كان دقيقا ،صغيرا متجانسا اوغير متماثل،فانه سرعان ما يتحول الى ـ بيئة اجتماعية- لها رهاناتها ازماتها صراعاتها طبقاتها وحراكها، وان دور “البروباغندا والتلاعب بالجمهور” يهيء الاسباب لمن يوظفون انفسهم لقاء هذا الدور بشكل مباشر حتى من دون ان يطلب منهم ذلك.( الميكيافيلية Machiavélique).

ففكرة الاستحواذ على العقول والقلوب وتسخير البشر لخدمة فرد او تعظيمه و توقع مقدرته على الثبات ، وايجاد الحل واختبار حماسة الناس وميولاتهم، هو بالفعل شغف بشري قديم، وليس شخصية التهامي المسكونة بامكان عودة بازوليني (الامل المفقود) الا جولة كبيرة في تحقق “فيض خاطر” هذا الاخير من اجل ان يمتحن “وجاهته الاجتماعية ” ومركزية الذات لديه , سواء بين الناس بدعوى من” الدعاوى “او بين فريق عمل الفيلم الجديد الذي يكافح ليكون زعيم الناس امامهم، حسه في ذلك لجوء الاهالي له في نقاشات محتدمة حول شغل هذا و ذاك و رفض غيره من سواه، هذه “الصدف” التي تحيل كلها على تصرفات التهامي وتمنحها” الشرعية “, ولا يكاد يفقه احد بكون هذا الاخير، يكذب، ويضع العالم جميعا تحت سلطة انانيته ( ميكيافيلي) على مراى ” الوجوه “figurants التي لا يهمهما سوى الشغل وتحقيق الامنيات بدون التفكير خارج الصندوق (thinking out of the box ) والطبقة و الانتماء الاجتماعي المحروم، المسيطر عليه بنظام للحاجيات الاولية .

الافكار الموجهة بالفيلم هي محاولة الغوص في المكنون البشري الذي لا يجد لحاله منطقا فيما يكره ويبتغي. بل ثم اضفاء نوع من القداسة على الافراد والتصرف بديلا عنهم، وان لا حل لقضية الحب وتشييء الغير la chosification d’autrui سوى الاندفاع وزعم ما لا يحتمل، وبالتالي تضيع الكثير من المعاني ومن القضايا في تفسيرات “غيبية” مفادها :ان القادم دائما يمكن للبعض الادعاء خلاله والقدرة على التصرف فيه نيابة عن الناس عن القصد، وهنا احالة على تصرفات شخصية التهامي التي اتقنها الممثل الكبير محمد مجد، واعطاها بعدا وجبروتا لشخصية تجيد كل الادوار وتذوب فيها. فهل يكون في البعد الفلسفي للقصة ان حيرة البشر اتجاه ما لا يجدون له صوابا تركه للغير ليحل محلهم فيه ؟ وهل يفضل الافراد ذلك” التعويض ” ؟ او هكذا يبدو بكون الناس مستعدين للخضوع لمن يفسر او يؤول قضاياهم من زوايا (عدمية، واقعية، افتراضية) متعددة . المهم ان يعيش الفرد حبيس الامل مقابل حيرته التي هي بين” الرجاء واللايقين”، وبدورها تلك النفس لا تريد سماع النداء القادم من الداخل الممتنع، بل تفضيل مقاسات مستوحاة من غباء/دهاء بشري يعرف كيف يعزف على انتظارات الجماعة بتجلي واسع لمفهوم ( La manipulation) اللعب بعقول من حوله وجعلهم خاضعين مغلوبين مسحوقين ،مهما كانت فكرة التلاعب تلك “متفاهم “بخصوصها مع الغير او بدون ارادة الغير ! المهم هو ان تجعل الفرد المهزوم والمتازم يسمع ما يرضيه منك لانه مجموعة انفعالات (نفسية- اجتماعية ) يتحكم فيها : الخطاب والرمز والمادي والثقافي والاقتصادي بالنتيجة, وكل هذا يحركه دائما الميلاد المتكرر للمجتمعات وهي تتطور وتتطور فيها حاجيات واساليب الاستهلاك، ويلزم الفرد حينها (ذكر او انثى ) الى اعتبار المال عصب الحقيقة / الزيف بتعبير ماركس، ليقبل الانسان على نفسه من اجل ذلك كل اشكال الاستغلال والاستعباذ والاحتقار والتسويف وهدر الزمن ، مقابل خطاب او وصية او اكذوبة فقط عليها ان تنتمي الى ما ينتهي الى الجيوب مالا غذقا ،ووجاهة ونيلا من الدنيا ومن حظوظها، وتفسيرا للاحلام وللاوهام .

او لم يتحدث” فرويد” عن اولى خطوات الحلم الذي ينتاب هذا الانسان الغارق في الامنيات، حينما ساق لنا “حلم اليقضة”, كاولى الاجابات على درب هذا الوجود الذي يتملك الجوهر البشري كل حين، وكل عام ليستجيب لتلك الاستحالة التي تعترض استحقاق حلم او غاية يصعب الوصول اليها موضوعيا، هروبا الى” التعويض ” من الحقيقة المرة,وفرارا من لحظة مرضية لتشوه الحلم لانها بدايات ازمة الفرد وركوبه سفينة الحمقى .

 

يوسف صبري ،كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه ،مهتم بالسينما والمسرح .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.