“بيان التربية الشعبية”

0

بقلم: محمد الكحص – الأربعاء 26 فبراير 2025

 

لنبدأ بالاعتراض الذي لا مناص منه: لماذا التربية الشعبية؟ لماذا تعميم المعرفة، وتيسير الولوج الدائم والمتجدّد إليها للجميع؟ لماذا العمل على توسيع سلطة العقل ليصير شعبيًا؟ أليس هذا في نهاية المطاف مجرد ترف فكري؟ مجرد نزوة مثقفين حالمين يُسقطون مسارهم الشخصي وشغفهم النخبوي بالعلم والمعرفة والثقافة على عالمٍ لا يطلب منهم شيئًا، ويعيش دونما حاجة إلى تعقيداتهم “المتعالية والمملة”؟

 

أو ربما – وهذا اعتراض “أسوأ” و”أخطر” – أليس دعاة إشاعة المعرفة والفكر والعقل والثقافة، هم في الحقيقة “إيديولوجيون” متخفّون يسعون إلى هيمنتهم الثقافية لتيسير قدوم مسائهم الكبير، وثورتهم الناعمة للاستيلاء على السلطة؟

 

من منّا غامر، من موقعٍ ما، بالقول أو بالفعل وانتصر لفكرة تعميم المعرفة وإشاعة العقل، ولم يُحارَب بأشكال متعددة من التشكيك والمواجهة تنهَلّ كلها من هذين الصنفين من الاعتراضات؟ طبعًا لا داعي للإطالة في الردّ المُدقّق على هذا التوجس؛ يكفي أن نطرح بدورنا أسئلة:

• من يخاف من المعرفة؟

• من يخشى سيادة العقل؟

• من يخرج مسدسه كلما سمع كلمة “ثقافة”؟

 

من قد يجازف بالتعايش الحذر مع المعرفة والفكر والثقافة وأهلها… شريطة أن يبقوا في وضع النخبة (القِلّة)، معزولين في جامعاتهم أو مراكز بحثهم، أو مكتباتهم، أو بيوتهم وسط كتبهم وأوراقهم، أو حتى في نواديهم الصغيرة… وليتركوا شأن العامة لمن يعرفون تدبير العامة؟ أسياد الكون الليبيرالي المتوحش المُعَولَم تسكنه البضاعة والخواء.

 

يعلمنا التاريخ أن سيادة هذا المنطق رافقت سيادة الظلامية والتفكير السحري، والخرافة والدجل ونزعة الموت، وكل أشكال الشمولية التي أوقعت بالبشرية كل أنواع الاستبداد والتدمير والدمار والعنف. لأنها بالتحديد رأت في إشاعة الجهل أسلوبًا حاسمًا في إحكام القبضة على العقول كمدخلٍ للاستفراد بالباقي… أي كل شيء: حياة الناس ومصائرهم، وأجسادهم وأحلامهم الصغيرة والكبيرة.

 

كم من الأمم والحضارات دفعت الثمن باهظًا، مأساويًا؟ وهل حقًا – حين نقرر أن نرى ما نراه – هل حقًا عالمُ اليوم في منأى عن مثل هذه المأساة؟ إن دعاة المعرفة الشعبية وإشاعة العقل وسيادته، يخشون ألا نكون فقط في غير منأى عن تجارب التاريخ التراجيدية، بل موقنون أن الإنسانية مهدّدة باندحارٍ فظيع. إذ تحت بريق “العولمة” – التي هي “الرّداءُ المزيَّن” لليبرالية الفظّة واللاإنسانية – تزحف ظلاميةُ الاستلاب وتعميمُ الجهل وإنتاجُ العنف وسيادةُ الخوف في الحاضر ومن المستقبل، لتسويغ فكرة واحدة ووحيدة: لا قيمة تعلو فوق قيمة المال، ولا سلطة إلا له، ولا مقياس للحياة إلا مقياسه.

 

إنه الأفق الأوحد، الذي لا يمكن تجاوزه. إنه المعنى الرهيب الوحيد، الذي تقترحه – بل تفرضه – الإيديولوجية الجديدة/القديمة على البشرية. والمعرفة الشعبية عدوُّها، لأنها شرط كل مقاومة ممكنة.

 

لنتأمل بسرعة بعضًا مما يحاصرنا اليوم من مظاهر الأزمة:

• انهيار الديمقراطية في أزمات متتالية، لأنها أصبحت عاجزة عن احتواء تحولاتٍ تتجاوزها، ولا تتحكم في قرارات وظواهر تُنتجها إيديولوجيةٌ ومراكزُ قرارٍ مالية مصلحية تخترق العالم ولا تخضع لأية سيادة.

• انهيار كل السلط المهيكِلة والمؤطِّرة للعيش الجماعي: سلطة الدولة، سلطة الأسرة، سلطة المدرسة، سلطة المثقف.

• انهيار الوساطات التقليدية: الأحزاب، النقابات، الجمعيات.

• تبضيع وتشييء كل ما حصّنته طويلًا تراكماتُ الحضارة الإنسانية: من تعليم، وثقافة، وخدمات عمومية، إلخ…

• السوقُ يُجْهِز على كل القيم الإنسانية لكي تسود قيمة واحدة، لا يسندها علمٌ ولا معرفة ولا ثقافة ولا إنسانية ولا تضامن ولا تطوع ولا استحقاق ولا تفرد ولا إبداع ولا التزام، ولا مصلحة جماعية. بل تحددها البورصة – لأن الحياة تصبح بورصة – وكل من لا أسهمَ له في هذه البورصة (بيعًا وشراءً وربحًا آنيًا وماديًا صرفًا) فلا حياة له.

• الإجهاز الممنهج على الدولة الوطنية وسيادتها لأنها في نظر العولمة عرقلةٌ ومتراس للمقاومة. لذلك وجب تفتيتها وضرب وحدتها، ورهن اقتصادها، ونسف كل أشكال سيادتها – سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية أو هوياتية.

 

(هذه فقط أمثلة للتدليل على حجم الاختلال).

 

لماذا التربية الشعبية وتعميم المعرفة والعقل؟

 

لنتتبع خيوط كل هذه الأزمات والانكسارات المحبِطة؛ سنرى أنها نَمَت وتغذّت على أنقاض العقل، وتُغذّي الجهلَ وانحسار المعرفة، وتعمل على تسطيح المعرفة وتنميطها. ليس [ما يتوفر منها] كأداة للتحرر والمقاومة، بل كبضاعة بدون معنى ولا عمق، تعطي للمستهلك “وهم الاطلاع” بينما هي في الأخير منتجات تجارية محضة – أي نفيٌ للمعرفة – تشيع أبشع أنواع الجهل: أي الجهل المركّب، الفارغ، المُستسهَل، والمُتصنَّع أحيانًا كثيرة. ولعل أخطر أساليب محو المعرفة هو ما يحدث من تنميطها في شكل هذا الخواء العارم، كبضاعة رثّة تدرّ الربح إذ لها ثمنها… ولكن لا قيمة لها.

 

إننا أمام تمظهراتٍ عميقة لأزمة حضارية، تتطلب استنهاض روافعَ وقيمٍ وأسسٍ لمشروعٍ حضاري جديد. وإننا لا نرى مقاومةً وبناءً مضادًا للظلامية الجديدة وكلّ رديفاتها، إلا بإشاعة المعرفة، وجعل العقل شعبيًا، وابتداع كل الصيغ التي تضمن ذلك. والتربية الشعبية إحداها.

 

فيما يلي بعض أهداف ومبادئ التربية الشعبية كما يطرحها الكاتب:

• تحرير الإنسان الفرد وتمكينه من استقلاليته ووعيه بتفرّده، ورفع ذوقه ومستوى وعيه، وامتلاكه حرية اختياره وممارسته لحريته. أي تمكينه من إدراك مسؤوليته وتحديد مكانه داخل المجتمع وتجاه الكون، وتحصينه من أشكال الاستلاب أو الخوف من الآخر ومن الحياة، ومن النزعة نحو العنف والتعصب.

• تسليح الفرد بمنظومة قيم مشتركة: تلك القيم التي تشعره بالانتماء للوطن وللإنسانية. وكل ذلك يمر عبر تمكينه من المعرفة ومن إعمال العقل.

• ارتباط النجاح في الحياة بالمعرفة: نجاح الفرد في حياته الشخصية – الروحية، والثقافية، والاجتماعية، والمهنية – مرهونٌ بامتلاك المعرفة. فالمعرفة شرط أساسي لتحقيق الذات والإنجاز.

• بناء ديمقراطية راسخة عبر مواطنين واعين: إعادة بناء الديمقراطية، وترسيخ قيمها، وتقوية مؤسساتها، يمرّ عبر تمكين المواطن من المعرفة التي تكوّن اختياره الواعي والحُرّ. هذا يجبر من يتقدم لتمثيل الناس على تقديم برامج وأعمال تحترم ذلك الوعي وهذا الاختيار. وبهذا ترجح كفّة العقل والمعرفة على كفّة الشعبوية والتهريج والتهييج، عندما يتعلّق الأمر بمن يستغلّ الجهل ويخاطب العواطف البدائية بدلًا من العقل.

• فضاء عمومي صحي للحوار والاختلاف: إن إمكانية خلق فضاء عمومي تتعدد فيه الآراء ويُدار فيه الاختلاف والحوار والتنافس بصورة سليمة وراقية تفترض سيادة رصيد معرفي متقاسَم وواسع الانتشار. يكون هذا الرصيد أداةً للبناء الجماعي والعيش المشترك وتحقيق المصلحة العامة. وفي نفس الوقت يغدو حكمًا معرفيًا وقيميًا يميز بين الغثّ والسمين في الخطاب والأفكار.

• استعادة الثقة بالمؤسسات والسلط الشرعية: إن إعادة الاعتبار والثقة للمؤسسات والسلط الشرعية والمشروعة – سواء السياسية أو الأسرية/المجتمعية، أو الأكاديمية/المدرسية، أو الثقافية/الفكرية والإعلامية – رَهينٌ بإشاعة المعرفة وتثمين العقل.

• محاربة الكراهية والتطرّف بالتنوير: إن محاربة الكراهية والحقد والعنف بكل أشكاله، والمواجهة الجذرية للإرهاب وإيديولوجيّاته ومنابعه، هي بالأساس معركة تربية وثقافة وتنوير دائمة شاملة ملزمة. وبالتالي فهي معركة إشاعة المعرفة وسيادة العقل، ونشر وتكريس الثقافة كقيمة حياتية مطلقة – حقًا للمواطن الفرد وواجبًا مجتمعيًا. إنه واجبٌ على الدولة ومؤسساتها، وعلى المثقفين والمربين والأحزاب والجمعيات ووسائل الإعلام وكل من يمكن أن نسمّيهم “معلمي الحياة”.

• الارتقاء بالحياة الإنسانية ومعيار السعادة: الاحتفاءُ بالحياة، والانتصارُ للخير والجمال والحقيقة، والاحترامُ الواجب لكل إنسان في أن تكون له حياة خاصة يتذوق فيها الفنون ويتغذّى من ينابيع الثقافة، ويحلم ويجرّب ويبدع ويُساهم ويفكّر، ويقرأ ويكتشف، ويُعجب ويتفق أو يعارض بمحض إرادته – أي يختار! يعيش وجوده المتفرّد في سكينة واطمئنان، ويواجه صعوبات الحياة بهِمّة وعقلانية، ولمَ لا بحكمة. فردٌ/مواطنٌ يقيس نجاح حياته ومقدار سعادته وقيمته بمقياس المعرفة والعلم والثقافة وما تتيحه له من سعادة شخصية واندماج جماعي، لا علاقة لها بمقياس المال أو ما يسمى الجاه وغيره من أوجه الكوميديا الاجتماعية التافهة. وهنا أيضًا الأمر متوقف على إشاعة المعرفة.

 

أما النمو الاقتصادي وازدهار الإبداع وإنتاج المعرفة نفسها – في ظل مجتمع المعرفة المنشودة – فذلك تحصيل حاصل.

 

يمكننا أن نُسهب في تعداد كل مكامن أزماتنا وما يهددنا؛ وسنجد – كما أردنا التدليل عليه بعجالة في الأمثلة – أننا بدون المعرفة المُعممة لا نستطيع بناء مشروع حضاري جديد مقاوم ومضاد لما آلت وستؤول إليه الإنسانية من اندحار وخواء، وعنف وإرهاب، وتسلط كوني رهيب، وتفاهة للقيم الإنسانية. طبعًا هي (أي منظومة التجهيل العالمية) مُغلّفة ببالوناتٍ ذكية، وبـ”ثورة” تكنولوجية، وما إلى ذلك من منتوجات تجارية خلابة ومنوّمة. ولكنها في النهاية أدوات دمار – إن بقيت لوحدها – توهم بأن للخواء معنى لمجرد أنه تكنولوجيا جديدة… إلى آخر الأسطورة.

 

أما الدمار فيبقى دمارًا. والمعرفةُ سبيلُ إعادة البناء. إنها الثورة الممكنة والضرورية والملزمة… مدخل الأفق الوحيد لمشروع حضاري جديد، وطني وإنساني… مُعبّأ.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.