العودة الى الحياد .

0

نغادر تجربة سياسية إقليمية بعدما قضينا فيها وقتا قيما رفقة مجموعة من الرجال الحقيقيين الذين بادلونا الاحترام بالتقدير والحب بالنبل والصدق بالوفاء، فكنا معهم وشعرنا واياهم كاننا جسدا واحدا له حواس واحدة في السراء والضراء، وهذه التجربة كانت مليئة بالقيمة، وهذا هو المراد من الاخذ والعطاء في المجتمعات عموما.

 

كان جليا ان الاربع سنوات التي قضيتها لابد ان تكون لها حلقة اخيرة، وان يعود الفرد الى مكانه الاصلي بين الفاعلين، لكن بصورة اخرى، وروح اخرى وتعلمات اخرى، و الاكثر من هذا بتجارب تثمر في الفرد امكانية التجريب، و ان هناك دائما ما سياخذه من كل مبادرة يمد يديه الى اصحابها ليشاركهم ، افعالهم، مساهماتهم، تاثيرهم وتاثرهم بما يقومون به.

 

فالتجربة السياسية لحزب الديمقراطيين الجدد بالرحامنة كانت توافقا، وتعاقدا اخلاقيا اكثر منه شيئا اخر، وعليه استثمرنا جهدنا للاضافة اليها، وكنا مع الاخوة نحاول ان نبني مشروعا سياسيا، بالنقاش الهادف الذي لا يفسد للود قضية، ولا يتجاوز الحدود، ولا يقفز على” المسافة الاجتماعية” ولا الزمن الخاص ولا باقي ما يقارن بتلك المساحة الحميمة لكل فرد مع حاله، لا اقول ان الامر كان سهلا، لكن الاهم ان اغادر اليوم وانا ممتن لكل الوقت الذي قضيته رفقة اخوة حقيقيين، مهتمين بفكرة كان لها جوها وظروف إخراجها نحو الفعل، وكذلك كان… وبالنهاية وجدنا الزمن بسرعة يسرق منا الوقت، كما انه ونحن نمضي كانت هناك صعوبات، استحالة، غياب امكانيات لتحقيق الهدف الاكبر من مجرد اخراج تجربة سياسية للناس بمدينة صغيرة يستحوذ فيها على قلوب الجماهير مشارب وتيارات و رغبات واماني كثيرة وهو صميم التنوع والتعدد، ومادمنا قد بدانا اول الامر مع اولئك الاخوة ذلك الميلاد الذي تحمسنا له، ووددنا ان يكبر ويصبح ملاذا امنا للنضال ولاستشراف المستقبل بهذه الارض من خلال نموذج يحتضن كل فكرة وابتكار وابداع يتلاءم وطبيعة العمل السياسي، فانني اليوم لست واثقا من ادعاء ان كل هذا تحقق لانه يستحيل لاعتبارات شتى، وليس الزمن يسمح بذلك، لكن المهم كان ساعتها هو الاستمرار بتحمل تلك المسؤولية دون الإساءة بتصرفاتنا اتجاه بعضنا البعض، واليوم اذ اغادر هذا التيار السياسي بعد اربع سنوات من التفكير المشترك من اجل فكرة اردنا لها الامتداد هنا، وان تكبر وتزحف وتصمد وتنمو وتعلو في كل الاتجاهات، انما سياتي يوم يستطيع فيه الاخوة او من قد ياتي لعرض نتائج بعينها حول ماكان نجاحا وما كان من الاخفاق.

 

بالنسبة لي حان الوقت للعودة الى” الحياد الايجابي” في السياسة، اذا امكن قول ذلك، ومعناه انني بصرف النظر عن قراءتي الموضوعية لاي فعل سياسي، ولادواره و الحديث عن ايجابياته ،فان التغيير بنظري لم يكن خارج الاحزاب بتاتا، لان “الظاهرة الإجتماعية “تفرض ذلك، والزمن والواقع والديمقراطية كاسلوب تدبير الازمات و اليومي وغيره يقر بذلك، وانه مهما كانت رؤيتنا للمشهد السياسي الوطني او المحلي مع كل” الوصم العام” حول المنتسبين الى فعل السياسة مهما حاولوا التزام الشرف، فانه لن يتغير اي مجتمع الا بالمشاركة السياسية ودور الاحزاب والحديث في هذا المجال يطول .

بالعودة الى خروجي من وضع الانتساب الى الحياد أملته ثلاث حقائق :

1ـ بحثنا عن الذات بعد اعادة بناء جديدة وفق معايير ونموذج يريد من خلاله هذا الإنسان رسم مسار حياتي ومهني مخالف لما سبق، يمليه طبعا ما راكمناه خلال السبع سنوات من الجهد الذي نرجو ان لا يذهب بدون فائدة.

2ـ بحكم اني اليوم باحث بسلك الدكتوراه عن موضوع سيهم الفاعل السياسي بالرحامنة والانتخابات وعلاقتها بالتنمية، فانني مجبر ان اعتبر تلك المسافة الآمنة بين الجميع لاستطيع في السنوات القادمة الوصول ما امكن الى الاجابة عن اشكالات و اسئلة لها علاقة بالموضوع. والباحث في هذا المقام عليه بالقطع كما هو معروف مع كل انتساب قد يشوش على” الذات الباحثة “وعلى مضمون النتائج، ويجعل من العملية غير ممكنة اذا كنا في صف يستحيل معه اعمال تلك” القطيعة” مع “الافكار المشتركة العامة”، لانها ستؤثر على المجرى العام للبحث الذي يتوخى الانصات الجيد و ملاحظة المشهد العام بدون تصور مسبق يصعب مهمتنا او ينهيها من الاصل.

2 هناك عملان في الطريق واحد عن موضوع التنمية بابن جرير وقد حان الوقت لنشره، ويليه عمل هو الجزء الثاني من السيرة الذاتية وهو كذلك يحتاج فقط الى الطبع والنشر، وهذان العملان ينتميان الى مهمتين:

ـ مهمة اكاديمية هي الطريقة التي اخترت بها ما تبقى من عمري .

– والاخرى تنتمي الى الادب، وهو مجال اهتمام كبير بالنسبة لي، ولا يمكن خارج المجالين المذكورين ان اتصرف باريحية.

 

فالسببان جوهريان يتعلقان بفرصة باحث بدا قبل سنوات تجاربه الادبية ، ويحاول كل مرة ان يثبت انه قادر، وكذلك تجربة الباحث في العلوم الاجتماعية ليصبح الامر برمته بين “تيمتين “لا اكثر ، والهدفين معا يحتاجان الى وقت كثير، وتدريب شاق، وصبر ومثابرة، من اجل هدف في النهاية هو امكانية ان يترك الفرد اعمالا يذكر بها او يمكنها ان تساهم في عملية كبيرة يقودها كل الفاعلين ومن اي المشارب كانوا، وهذا هو المراد بفعل التنمية الذي يعول فيه على: المواطن والطموح السياسي والاداري والصحي والصناعي والخدماتي والتجاري والبيئي والفني والثقافي والبحث العلمي اي كانت اهتماماته .

 

في النهاية يغادر الفرد بيتا قضى فيه اربع سنوات وهو مرتاح البال، كونها شهورا كانت حافلة بالتعلم والعطاء والمبادلة والحديث الجيد والاحترام الذي طبع في نفس المتحدث انه بالإمكان في مساراتنا الحياتية ان” نتادى” اذا لم نحسن اختيار الاصدقاء والشركاء والاقران والرفاق حتى( مشاة النعش)، لكن لقاء كريم ننسى معه كل ماكان من المحن والعكس بالعكس، وان العمر اذا كان يمر بسرعة فانه من المؤكد على الفرد ان يبحث عن من يصاحب حتى تصفى نفسه ويغنم معه زادا من القيم و القرائن و الخبرات و العادات والسلوكيات، حتى لو ابتعد او باعدت بينه وبين من احب الايام او الظروف، فان لديه تنشئة جيدة غيرت فيه الى الابد، وتركت لديه اكثر من حيلة للبحث عن لقاءات مشابهة تطيل العمر وتسمو به عوض النزول نحو العذاب .

 

صبري يوسف، كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه بسوسيولوجيا السياسة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.