الفيلم الاسباني “ثانوية جديدة”: حينما يطلب من المدرسة اصلاح اعطاب المجتمع

0

تدور احداث الفيلم الاسباني “ثانوية جديدة ” حول مجموعة متمدرسين مراهقين لاقتهم الظروف وكل واحد منهم يجر وراءه” تاريخه الخاص “المليء بالاعطاب “الاجتماعية”، التي تفرض بطبيعة الحال على المؤسسة التي تراقب السلوك داخل فضاءها وتحرص على الانضباط ليكون جو التعلم جيدا متاحا وتنافسيا للجميع، لكن فجاة يخرج المدير عن حكمته (صمته) وصبره، بما ان هناك وافدون جددا قادمون من اماكن مختلفة ويحملون معهم “اضطرابات عاطفية ” ظهرت بالنتيجة كافعال وردود افعال امام جماعة” الاقران” وافسدت المؤسسة وجو التمدرس فيها. هنا يصبح الكادر التربوي امام اولوية حل المشاكل، سيتين ان الامر لا يقتصر على التلميذة Valeria، انما سيلتحق بها اخرون وبالتالي توفر المؤسسة رعاية لكل تلك الحالات النفسية المرضية او الاعراض التي تسبق الازمة.

 

ياخذنا الفيلم الذي انجز عام 2014، شهر ديسمبر طيلة ساعة و45 دقيقة في التعرف عن قرب على “ازمة المراهقين بالفضاء التربوي”، المتعدد الخيارات والاختيارات، ويصبح التدريس امام امتحان تقنياته وأدواته لعلاج “علل” وافدة عليه (خارجية)، ومن خلال مساحة كبيرة داخل المؤسسة معزولة عن عالم الاقران، يوظف المخرج قدرة المدرسة على تعبئة الموارد البشرية اولا، والموارد التقنية والمساحة الكبيرة التي غطتها “قاعة العلاج” على مستوى الصورة. ليقول لنا المخرج من خلال كل تلك الرقعة بدون التصريح المباشر : ان المجتمع مهما كبر وصار اكثر تعقيدا، ستكبر ازماته، و تتكاثر، وتقل فرص النجاة بالنسبة للجميع، اباء وابناء ،الا اذا امتلكتا القدرة الكافية لمواجهة كل ذلك من خلال مؤسسة المدرسة باعتبارها القادرة على تنويع عروض اعادة التاهيل للاجيال وليس العكس (الطرد والهدر) .

 

فالتلميذة “فاليريا” افترق والدها وعليها ان ترافق امها الى مدينة مدريد من اجل بداية حياة جديدة لكليهما، وبالفعل تصبح “فاليريا” امام الامر الواقع في مدينة لا تعرف فيها احدا، وبين الكوميديا والدراما والاختبار الرومانسي استطاع المخرج ان ينتزع منا متابعة عمله الى الاخير، والا فان ازمة خانقة في جوهر المدرسة لن يستطيع المدير والإدارة والعنف المضاد، او وحدها “النصيحة السائلة” الايفاء بالغرض،في غياب كل الاسر التي اراد المخرج للضرورة منعها من لعب دور كبير، وترك مهمة وحيدة تتكفل بتصحيح واصلاح الاضرار التي انتجها محيط “فاليريا” وخمسة تلاميذ اخرين من صفها.

 

يصبح لزاما اذن حضور هؤلاء “علاج المجموعة ” therapie de groupe من خلال مختص احتكر جزءا من المشاهد والصورة والحوار، بما يتمتع به من قوة توجيه الاحداث بالرغم من حضوره القليل وعند الوجوب ( حادثة)، يظهر ويختفي ليترك الستة او “نادي الغريين” Club des bizarres ينتجون مزيدا من التفاعلات مع محيطهم، تاركا لهم مساحة حرية اكبر، بدون تدخله بالشارع (مسرح الاحداث) الذي لا يعنيه، هذا الربط والتركيز على واجب المدرسة من خلال المهارات التي يسمح بها علم النفس، فيما على الهامش بين المشاهد والدة فاليريا المهتمة بابنتها ساعة من نهار، بينما يستحوذ على قلبها فتح مشروع حانة ومطعم اكثر من غيره.

 

الفيلم يفترض ان قضية” الصحة النفسية بين المراهقين” دائما كانت نتاجا للشروط والظروف الاجتماعية بالاساس ، سواء ذكرا او انثى، وضعه المادي مريح او سيء، وان هناك في “مسار الحياة”parcours de vie ما يجعل مراهقا او مراهقة سجينة حالة تحتاج الى التدخل والعلاج، والا فان المجتمع لن يعود امنا كما كان من قبل، فاختار المخرج المدرسة التي حولها الستة الوافدين الى حالة من عدم الاستقرار، واذا كانت رؤيتنا للامور اكبر، فان مجتمعا اوسع اذا غابت فيه مؤسسات الرعاية الصحية او ما يطلق عليه اليوم ب”أنشطة الاستدامة” ومن جملتها : التعليم، الرعاية الصحية، الطاقة المتجددة وتطوير المجتمعات المحلية وملاحظة التاثير او ما يطلق عليه ” الاستثمار المؤثر” impact investing، غير هذه الكفايات سيحل الخراب والدمار من الداخل وتصبح التكلفة اكبر وغير واضحة النتائج، وتنعدم الرؤية وتقل المقدرة على التجاوز او ابتكار حلول ضد (الانحراف العام) فشل السياسات الموجهة للشباب.

 

خلال عرض الفيلم يطرح المخرج بين ايدينا اوراق أبطاله مكشوفة، دون تحفظ او خوف او سرية، فقط يتركنا نقرا واياه المسكوت عنه ” الطابوهات” ، حينما يقوم الفرد وحده ب”مقاومة ” احادية فلا ينجح، ولا يمكن لازمة نفسية لها اعراض وتخلق حالات تتسرب الى باقي النسيج الاسري ثم الى المجتمع ان ينجو من نتائجها من مسته، وان التخلص منها (اما بالوصم او السلطة، سلطة الاسرة، اوتكريس مفعول القيم والتقاليد، او الخرافة ومحاولة “التطهر” من اصحابها ) غير ممكن ولا امكانيات العنف المضاد لهذه الانحرافات يجدي نفعا، بقدرما يصبح (تواطؤا) بين الجميع، وعليه تكبر الازمات الاجتماعية والنفسية بالنتيجة، تبرز اشكالها، تتكاثر في الزمان والمكان، فتصير “ككرة الثلج” تتدحرج لتسحق كل من يقف امامها، وبين الستة هناك مشترك وحيد وهو وجود” ازمة”، فواحدة من “الشلة” لديها اذا صح القول “تعلق مماثل” في ميولها العاطفية… تعشق بشكل ملتوي وصامت فتاة من نفس المجموعة، والمعشوقة بعلاقة مع مدربها، واخرى تعيش حالة ” وسواس قهري” تكافح للتخلص منه، والبقية لهم تقريبا نفس الازمات الحادة الناتجة عن ظروف معينة، فكلما سمح المزاج فانهم يقومون” بالتفريغ” ليبقى المشاهد واعيا بما يجري في كنف هذه المؤسسة التي اعطت اهمية لدور الرعاية النفسية و و هبت للمشاهد مختصا غير عادي، استطاع بكثير من الحرية اتجاه تلاميذه (مرضاه) ان يختاروا، وبالفعل في النهاية، يظفي اتجاه الاحداث قيمة جوهرية على قدرة العلاج ودور العلم والمقاربات، ودور المدرسة في مواجهة ظواهر نفسية موضوعها اجتماعي ومسبباتها اكبر من قوة الفرد على ضبطها او التعالي عنها بحكم “الاكراه”الذي تمارسه ، بل لا بد من الحاجة الى ” الغير ” القادر عبر وسائل تدخل وبرامج للتاهيل.

 

بالمحصلة فان التفكير في واقعنا المليء بالاشكالات والازمات، يحتاج الى اكثر مما نتخيله من الحلول لمعضلات تتعلق بالمعيش اليومي الذي ينتج انحرافات سلوكية لها علاقات سببية بموضوعات كالسكن والرعاية الصحية وجودة التعلمات، فلا شيء يولد من تلقاء نفسه، والرخاء لا يتاتى من فرد مريض لا ينعم” بالوفرة “على كل المستويات، ولا يعيب الدولة عبر كل ما تتوفر عليه من المؤسسات “الاجتماعية والسياسية” بتحمل المسؤولية كما اراد المخرج الذي غيب الاولياء وافنى جهوده في اعادة ترتيب الادوار من خلال المدرسة و”العلاج الجماعي”، دون ترتيب جزاء عن والد وما ولد،ودون استدعاء ام او اب او اسرة هي بالملموس من افرزت فردا يحمل تلك الاوجاع، التي دخل بها المراهقة وعالم الاقران فكانت تاوية اول الامر، الى ان تداعت ليراها المدير والمربي والمخرج ونحن كذلك، في تتابع لا ينكر علينا ان التنمية اولى اخفاقاتها غياب القدرة على قياس ما يسمى “بالاستثمار المؤثر” الذي يتعارض ادعاء امتلاك اي بلد لنتائجه، اذا كانت تهدده مستويات قياسية تتعلق بالصحة النفسية بين شبابه ومراهقيه ومجتمعه. فلا تنمية بدون” قياس التاثير ” …تاثير مناخ الاستثمار ومناخ التعليم ومناخات متشابكة بعضها بعضا، وبدون “النضج الترابي” الذي لا يعني سوى تطوير المجتمعات المحلية على احسن ما يرام لمحاربة اشكال التطرف” السيكو اجتماعية .

 

صبري يوسف، اعلامي، كاتب راي، وباحث في سيوسبولوجيا السياسة ،مهتم بالسينما والمسرح.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.