فساد النخبة( المافيات الصغيرة والكبيرة )
بات واضحا ان هناك اوضاعا تحتاج الى الفهم في هذا البلد ذي 36.828.330 مليون وبضع مئات الالاف نسمة تتاثر بكل ما يجري من التحولات حولها وما يتعلق بطبيعة: معرفتها، اتجاهات الواقع من امامها، ممارساتها، وكذلك حقوقها المدنية والسياسية المعقولة الواقعية والمتعاقد بشانها ذات يوم من التاسع من مارس من العام 2011 ، وهنا استعرض ما يجرى من “لا تكافؤ للحظوظ” صار فضاء التواصل الاجتماعي الملاذ الثاني للتداول فيه واغناء النقاش حوله وفضحه وكشفه واستدعاء اي المقتربات كفيلة باعادة ترسيم الحدود وتحصين الحقوق والمكتسبات ورفض الشطط وتعريف الجريمة التي تقتضي العقاب وتمس جوهر التعاقد.
هنا استرجع حكايتي شخصيا مع سلوك يعود الى العام 2014 ويتعلق بنسخة من الدستور صارت رفيقة الطريق، لا تغادرني ولا امل منها، تذكرني في كل مكان اجد فيه الرغبة على القراءة ان اعيد تلاوتها على مسامع اذني كدبيب النمل، فلا امل من كل الابواب ولا من كل ما يتمتع به الدستور المغربي من القيمة، فالفت التفكر في كل فصل( الشتاء والصيف) بحثا عن الذات، واي ذات هذه؟
في العام 2023 كنت احمله معي ايضا وانا اعد بحثا حول التنمية بمستوى الماستر بجامعة القاضي عياض، وكنت اجوب شوارع (المدينة) ابن جرير من اجل ما اقترحته داخل دليل المقابلات ليكون ابتكارا يشاركني فيه المستجوبون حول مدى قراءتهم للدستور وفهم مواده التي تستوعب الفلسفة العملية للفعل العمومي وعلاقته بالادوار في صميم السياسة التي تدار باكثر من فاعل من اجل التنمية.
لاقول شاركني هؤلاء ساعتها تفاعلهم بشان ما يستدعيه السؤال للفصل في امور العباد وتدبير حاجيات السكان.
الحالة الراهنة تثير القلق لدى الكثير من الشباب الحامل للافكار والمشاريع المرتبطة بحلم المستقبل و تاسيس حياة كريمة، هؤلاء الذين تخرجوا من الجامعات المغربية، حاصلون على دبلوم الماستر او الاجازة او الدكتوراه، وحده ايمانهم بالتكافؤ من يشفع لهم بترك باب الامل مفتوحا. ان ما حصل بجامعة ابن زهر ، وكثافة التعبيرات على مستوى ” شبكات التواصل الاجتماعي” من احتجاج مع “كاتم للصوت” يوحي لدي اذا كنت ساتحدث من منطلق طالب باحث يعرف كيف يعاني نظراءه في زمن التفاوتات وزمن نشوء هذه المافيات، ان من تخرج ومن هو قيد التكوين يؤمن بان شهادته في الاخير هي حظه في هذا البلد اذا اراد ان يعيش، لكن كيف سيصل الى وضع الكرة بالسلة اذا كانت يداه غير طويلتان ؟
فاذا كان ما يخرج من الاسرار من هناك وهناك، وما يعطى بغير حق من شواهد حملت اخبارها كل المنصات …اذا كانت هذه الفوضى ستمنح افرادا لديهم ما يدفعون من المبالغ للحصول على مؤهلات من اجل تحسين وضع او انتشار اكبر في مجتمع كغيره يؤمن بالاخير بقيمتك كمتعلم (فيلم مرجان احمد مرجان)، مصاحب طبعا لوضعيات اجتماعية لا يفسد احتفاليتها سوى مؤهل علمي عال، فان العشرات والمئات في الجانب الاخر ممن حصلوا على تلك الشواهد بالجوع والعرق والضيم يشعرون الان بالغربة،بالضياع، وهناك منهم من قضى زمنا وحصل على شهادة وما يزال ينتظر “غودو”. وهناك من تقادمت معارفه، ومن هاجر الى غير رجعة في اتجاه انكار ما تعلم، وهناك عروض كثيرة لاصناف التخلي عن شهادة لم تؤمن مكانة مرضية وبناء حال يضمنه الدستور(الحق)، الذي فيه كل قول لا يأتيه من بين يديه (انكار) .
لكن هاهو الطالب المجد والاستاذ المجتهد والكلية العاملة والجامعة النظيفة فجأة يجعل منها فرد مجالا لمافيا صغيرة ، ومافيا كبيرة تتوسع دوائرها، هذه المافايات تتحالف وتتقاتل وتتكاثر ، فيما الذين ضاعت عليهم نعم الدستور باعتباره الوثيقة المركزية المؤسسة للتعاقدات، حتى لا يهضم حق ولا يضيع قليل حيلة بعيدا عن اي تمييز ضار مزيف، وهكذا وجدت نفسي كل مرة افتح بابا او فصلا، حتى صرت افهم انه مع هذا الكتيب الصغير المحمول بالجيب انت بامان وامن وعافية. ستنام جيدا وتستيقظ وتتعلم وتشفى وتتجول وتسافر وتصح وتسكن وتسعد وتخرج الى الطبيعة وتصرخ عاليا ملء فمك اذا احتاج الامر ان تصرخ كما يفعل المزارعون لمنع الطيور التي تاكل اكثر من حبات قمح يمكنها ان تفي بالغرض، كي يضمن البيدر للجميع اكلة متساوية. وان ما بدا به الدستور هو التوكيد على قيمة الحياة، ومعنى الحق في الحياة الذي هو كل تجلياتها من النعل الى البحبوحة.
ما نقراه هنا وهناك متفرقا، او مجتمعا في الاقتصاد والسياسة واليوم في التعليم وتقريبا في كل ما يمس حياتنا، يشعرك بانك الوحيد الذي اكتفى بالمراقبة(على راي فوكو)، الوحيد وسط زحمة “الخارجون عن القانون” هؤلاء المنتشرين في كل مكان وفي كل اتجاه… الذي بقي يمارس انسجامه مع الدستور والقيم والمواطنة الحقة ونظاقة الجوف وتطبيق” روح الرقيب” senseur animiste (كاستون باشلار) مكتفيا بقراءة اخبار هؤلاء” الابطال الاسطوريين” جميعا، وهم في كل واد “يجرمون” ، انما انت كانك شبح من فولاذ، كانك بطل درويش في قصيدة “وحدك”، صامد ابدي مؤمن، ورع ،راهب في اقرب الاديرة الى السماء، وقد منحوك مفتاح الجنة وتنتظر ان تفتح .
في كل هذا البؤس الذي احاط بالجميع… هو بؤس وفقط، لان الذي تعب واخذ منه حق الشغل مع شهادته سيموت كمدا، والذي اخذ شهادة عنه سيموت كمدا بجبنه لا “بجائزته”، وهكذا لا احد يفوز عادة في معركة اختلال الحقوق.
قبل عشر سنوات لم نكن نسمع هذه المفردة بالمغرب او مصطلح، “المافيا”(فساد النخبة)، الى ان امتلات بها كل الاماكن، وكل الأفواه، وامتلا بها الفضاء العمومي الرقمي وتحولت الى” التزام” شفهي عند كل الفاعلين، وعليهم ذكرها وتبيانها والتعامل معها…فقط هذه السنوات الاخيرة ،فماذا يحدث بهذا البلد؟
يحضرني في هذا السياق فيلم ” العراب” الذي لم يكن سوى صورة لفهم تلك الأوساط “المافيوزية العائلية”، كيف تتحرك خارج القانون، وبالقانون ودون القانون في اغلب الاحيان، في شكل لم يكن سهلا استيعابه، فقط اعجبنا بشخصية “مارلون براندو” وهو يداعب قطته الصغيرة، حالما يكون افراد عصاباته قد انهوا مهمة لا انسانية، يختلط علينا فهم القمع والعنف المسلط على البشر بلا ضمير في فيلم صور جزءا يسيرا عن فكرة المافيا، واسبغت عليها السينما جوا يكاد يصيبنا بالغم جراء غياب او انعدام مجتمع القانون والمساواة والتكافؤ لكل الناس…
انما يجوز هناك بامريكا وايطاليا، فقط نحن لسنا كغيرنا ولا يمكن ل 36 مليون ان تكون ظروفها التاريخية وتكوينها النفسي وثقافتها وغطاءها الرمزي والمادي والجغرافي يذهب باتجاه انتاج نماذج بهذا الشكل او على الطريق الى تصوير الواقع بهذه الدهشة المميتة.
في الاخير هناك واقع صار غير منصف بفعل ما يظهر ويتناسل ويتكاثر… يضر بالذين احتموا بالقيم وما يقوله الدستور ويشير اليه ويشيد به. مما يضيع فينا الالاف الباحثين الجادين والأساتذة الشرفاء والكليات الجميلة، والعمداء الراسخون في احترام الذات، ويضيع فكرة ان نبني وطنا بالصدق والفرص الممنوحة المتكافئة”. كما وهذا الحال يعيق اداء الطبيب الشريف والممرض الشريف والمهندس اللبيب والطالب الطموح والطالبة الشريفة وهلم جر الى كل المفاصل التي تصلها عدوى الانفعالات .
انظر : (احكام عامة الفصل (1.6.)الباب الثاني الحريات والحقوق الاساسية الفصل (19.20.26.31.)الباب الثاني عشر .الفصل (167.168).
يوسف صبري كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه بعلم الاجتماع السياسي والتنموي.
