البام بابن جرير: عودة مستحيلة أم ولادة جديدة من رحم التشرذم؟
يطرح المشهد السياسي في ابن جرير اليوم سؤالًا جوهريًا: هل يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة (البام) أن يعود إلى الواجهة بعد أن عصفت به أزمة ثقة ترجمها الناخبون في صناديق اقتراع 2021، والتي أفرزت مجلسًا جماعيًا موزعًا بين اثني عشر مكونًا حزبيًا في فسيفساء سياسية غير مسبوقة؟
الجواب عن هذا السؤال لا يمكن أن يكون بسيطًا، لأن ما تعيشه المدينة ليس مجرد تراجع انتخابي لحزب معين، بل هو انعكاس لتحول أعمق في البنية السياسية والاجتماعية المحلية. فقد خرجت هذه التعددية الحزبية من رحم توافقات هشة وتدافعات تحكمها موازين قوى متغيرة، ما أنتج قيادة جماعية يصعب القول إن لديها رؤية موحدة أو قرارًا حاسمًا.
من أزمة تموقع إلى أزمة هوية
من الخطأ الاعتقاد أن أزمة البام بدأت فقط بعد 2021. بل الأصح أن عدم قدرته على الحفاظ على موقعه كحزب أغلبي وصاحب القرار في تدبير الشأن المحلي هو نتيجة لخلل بنيوي أعمق. الحزب الذي بزغ نجمه محليًا منذ 2007، متكئًا على مشروع حداثي قوي وشبكة دعم مؤسسية، وجد نفسه فجأة عاجزًا عن إعادة إنتاج صورته القديمة في بيئة تغيرت فيها أولويات الناخبين وتبدلت فيها معايير الولاء.
فلم يعد الحزب في حد ذاته هو الذي يحدد الخريطة السياسية، بل أصبح الفرد هو الحاسم، وصارت المصلحة الشخصية عند الكثيرين تتقدم على الانتماء الحزبي. “أينما تكون المصلحة، يكون الولاء”، شعار غير معلن ولكنه واقع في المشهد السياسي الحالي. من هنا، فإن البام، كما عرفناه، لن يعود إلا في حال تحقق ما يشبه “معجزة الإيثار الجماعي” في زمن “أنا، وبعدي الطوفان”.
التحالفات الهشة والتدبير المرتبك
وإذا كانت التعددية الحزبية قد تبدو في ظاهرها مؤشرًا على حيوية سياسية، فإنها في واقع ابن جرير تحولت إلى عبء على الفعالية التدبيرية، حيث إن غياب الانسجام بين مكونات المجلس الجماعي أفضى إلى قرارات غير واضحة، وإلى مشهد تسييري تغلب عليه المجاملة والتنازلات بدل الوضوح والمحاسبة.
هذا التشرذم لم يفتح فقط الباب أمام التشكيك في قدرة التحالفات على إنجاز برنامج تنموي واضح، بل أضعف فكرة الحزب القائد أو الحزب المرجع، وترك المجال مفتوحًا أمام المزايدات الشخصية والمصالح الآنية.
هل من أفق للعودة؟
رغم كل ذلك، فإن السياسة لا تعرف المستحيل. قد يجد البام فرصته من جديد، لا من خلال الحنين إلى ماضي القوة، بل عبر مراجعة نقدية شجاعة لأخطائه التنظيمية والتواصلية، وبناء خطاب جديد يستجيب لتحولات المزاج الانتخابي المحلي.
لكنّ الطريق إلى ذلك محفوف بالمخاطر، خاصة في ظل استمرار نفس الشروط التي أنتجت الأزمة: ضعف الالتزام الحزبي، تسييس الإدارة، وهيمنة منطق الوجاهة بدل منطق المشروع.
لن يعود البام كما كان، إلا إذا أدرك أن زمن الحزب الواحد أو القائد الأوحد قد ولى، وأن النجاح في المستقبل لا يمكن أن يكون إلا من خلال تجديد الرؤية، والانفتاح على الكفاءات، وبناء ثقة جديدة مع الساكنة. وما دون ذلك، فالبقاء في الهامش قد يطول أكثر مما يتصور البعض.
