بين الخطابات الأمنية وادعاء القداسة: مدخل لوعي نقدي في عصر الأزمات الإقليمية

0

” نحن ننجح لا ننتصر، لأن دافعنا الحرية… لا الهوية ”

الدكتور فتحي المسكيني / مفكر تونسي

 

في خضمّ التصاعد المتواصل للتوترات الجيوسياسية، وتضارب القراءات والتأويلات، أصبح من الضروري فحص وتحليل ما تنتجه هذه الأوضاع من روايات وتفسيرات. فالواقع يكشف أن معظم المقاربات لم تكن موضوعية، بل انحازت—وعيًا أو دون وعي—إلى أحد أقطاب الصراع: مؤيد أو معارض، أو حتى أولئك الذين يحاولون الموازنة بين الانحياز والحياد.

هذه الملاحظة تكشف نقطة جوهرية: محدودية أي تحليل ينفصل عن الوعي النقدي للسرديات، ويقتصر على التفسير السطحي دون تشريح الخلفيات. فكثير من الخطابات التي تظهر في صورة تحليلية أو تنبؤية ليست في الواقع سوى روايات أيديولوجية، تستخدم المعلومات لتبرير المواقف المسبقة، والمعرفة لتعزيز الهيمنة.

في هذا الإطار، تظهر الخطابات الأمنية براعة في استخدام أقنعة الدين أو الهوية أو المقاومة، مما يمنحها شرعية مزيفة وطابعًا مقدسًا مصطنعًا يخفي طبيعتها السلطوية. لكن هذه الأقنعة لا تصمد أمام النقد الجاد القادر على تفكيك الرموز، ومساءلة الخطابات، وترتيب الأولويات بناءً على المنطق والمعنى، لا على التعبئة العاطفية أو التحريض.

إذن، نحن لسنا أمام صراع على النفوذ فحسب، بل أمام معركة حقيقية لتحديد المعنى: من يسيطر على صناعة الذاكرة؟ من يوجّه الوعي؟ ومن يحتكر الرواية تحت غطاء الأمن أو الدين؟ وسط هذا الصراع الرمزي، ظهرت محاولات فكرية جادة ضمن ما يُعرف بـ”التحليل الاستشرافي”، ساهمت في بلورة وعي نقدي جديد يعيد صياغة أدوات الفهم، ويحرّر القارئ من قبضة التلقين.

لقد بدأ الرأي العام—أو جزء منه على الأقل—يُظهر حساسية أكبر تجاه تعددية الروايات، وقدرة أفضل على التمييز بين التوجيه الخفي والاستقطاب الممنهج، وبين توظيف الخطاب الأمني تحت شعارات الهوية أو الشرعية الدينية. وهذه اليقظة لا تُقاس بردود الأفعال فقط، بل بقدرتنا على رؤية الأحداث كجزء من حرب رمزية تستهدف العقل قبل الأرض.

من هذا المنطلق، نعيد تعريف “السردية” ليس مجردًا كرواية تُحكى، بل كأداة تحليلية وتفسيرية تحتاج إلى ضبط وإدارة. فالسردية لم تعد مجرد حكاية، بل أصبحت ساحة للصراع الرمزي، ومجالًا لإعادة تعريف مفاهيم مثل الأمن والمصلحة والقيم الإنسانية المشتركة.

وبالتالي، فإن التفكير النقدي الاستشرافي لا يقتصر على التكهن بالمستقبل، بل يتعداه إلى تنظيم عملية التنبؤ وتحرير المعنى من الاحتكار. لقد مثلت هذه المرحلة نقطة تحول في هذا النمط من التفكير، حيث لم يعد التنبؤ مجرد تمرين نظري، بل تحرّكًا فكريًا مقاومًا.

وكخلاصة ختامية إن النجاح تحرر لا هيمنة ؛ فلسنا نسعى إلى انتصار يقصي الآخر، بل إلى نجاح يحرر الجميع. هدفنا ليس استبدال رواية بأخرى، بل كسر الدائرة التي تحوّل كل سردية إلى سجن للمعنى. المسألة ليست هوية تُضاف إلى الانتماءات، بل وعيٌ يُحرر الذات من براثن التضليل والاستقطاب.

ننجح حين نحافظ على المعنى حيًا، لا حين نأسره تحت رايات مزيفة أو مخاوف مصطنعة. ننجح حين ننتقد من موقع المسافة، ليس للمشاهدة بل للفهم والتفكيك والتغيير. ننجح ليس حين نهزم خصمًا، بل حين نتجاوز الخوف، واليقين السطحي، والروايات المغلقة التي تسلب الشعوب حقها في التفكير.

ولهذا، فإن رهاننا ليس على موازين القوة المادية، بل على موازين الوعي. ففي زمن الهيمنة الإعلامية والتلاعب المنظم، النجاح الحقيقي هو أن نحمي حرية المعنى، حتى لو بدا—ظاهريًا—أنه منهزم.

 

مصطفى المنوزي 

منسق ضمير الذاكرة وحوكمة السرديات الأمنية 

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.