عودة الجد المشترك(القبيلة) الى المدن والقرى من جديد!

0

تابعت لفترة يسيرة من هذا الصيف جزءا هاما من حركة الذهاب والاياب لمجتمع مغربي يتحرك باتجاه انتاج ثقافي يعيد هذا الشعب كل عام تشكيله وفق اتجاهات (موضة)، اختيارات، رغبات، معارف، مكانات ووضعيات وطبعا ممارسات.

 

فقد كنت الى قريب اعتقد ان السرعة التي يمشي بها هذا البلد على مستوى ما سميته موجات “الازدهار “وليس التنمية لانني وجدت ان التنمية هي بالنتيجة “باراديغم” ، اي مستويات نسقية وسيرورات للعمل تستوجب عمليات منظمة ومترابطة ومتزامنة ومعقدة، والحديث حولها يتطلب استحضار كم هائل من النقاش ومن القواعد العلمية الراسخة ، فالتنمية كميدان لا يختلف عن بقية المجالات المركبة التي بالتاكيد عليها ان تنتهي الى نتيجة حتمية :”الصحة، البيولوجيا، الفيزياء، الرياضيات”، بمعنى تؤخذ كاملة او تترك كاملة .

 

ثاني الملاحظات التي خلصت اليها هو عودة مفهوم “القبيلة ” الى التشكيل، وهو الذي كنت اتوقع انه ذاب مع سيولة المجتمعات المعاصرة، عادت القليلة الى توكيد نفسها “افتراضيا” ثم رمزيا وماديا بشكل لافت وساحر، وبالنهاية فان دراسة المجتمع المغربي لا تزال رهينة المتن “الانقسامي”، في ضل مجتمع اطره عبد الرحمن ابن خلدون منذ القرن 14 عشر وبعده الدراسات الانثربولوجية الغريية التي تناولت مجتمعات شمال افريقيا والشرق الاوسط، نحن لا نزال ضمن خانة مجتمع مهما تعددت اشكال وانماط “الاستهلاك” وبروز الفرد والعولمة ونماذج جديدة للعيش والتفكير والتمثل والتمدن نتنفس العصبية الاولى (البداوة الاصلية).

 

فما لاحظته طيلة شهري يوليوز وغشت وما حاولت في محطات تناوله مع الاصدقاء ونحن مسافرون، مثل فتح نقاشات من قبيل مدن الساحل والداخل، او مسالة المركز والاطراف، التنمية والتخلف، مجتمع العرض، بنيات الاستهلاك الجديدة، الانتخابات والفعل المدني والعمومي، عودة الجد المشترك الى التجلي بكل ركن وموسم مهما كان منسيا بعدما تراجع هذا الاختيار لصالح انشطة “شبه عصرية” غير مواسم التبوريدة، التي وان كانت تعنيه ما تعنيه في “الحس المشترك الجماعي لجزء من المغاربة” الا ان ارتكاس هذا الطقس بقوة الى حياة مجتمع يتجه كما يدعي البعض بسرعة الى الحداثة ! مع ضبابية استعمال مفهوم في واقع شتان بينه وبين تنزيل يتم طرحه عبثا على حالة هي بين تقدم ملموس ومحافظة هي الوجه الاصيل والاصلي للبلد، الذي لا يمكنه الا ان يختار الشق الثاني لانه يعكس روحه و ميلاده بكل تجلياته.واقصد مغربا له جدور وثقافة وتاريخ وعراقة وكل المصطلحات التي لا تعني سوى نمطا وحيدا للثبات في ظل تلك الاصالة والتقاليد والعراقة، مع استشراف الحاضر والمستقبل بخليط من مقاهيم دولة” تقل-عصرية” تكافح بشكل حذر لدخول الحداثة، التي تحتاج الى استدعاء مفاهيم التنمية والتنمية اليشرية والتنمية المستدامة وغيرها بشكل يهدم اذا كانت لدينا الشجاعة جزءا مهما من الاشكال الضبابية الغير البريئة التي للمغرب اسبابه الوجودية للتعلق بها، وبالتالي خلق نموذج مغربي كنت لا افهمه الا هذا العام، وهذا الصيف، حيث تجمعت لدي عناصر تاويل للواقع بما ادرسه نظريا وبما توصلت اليه ميدانيا بالملاحظة والمشاركة وغيرها من التقنيات.

 

لذلك فان “زعم” بعض الدارسين تناول المغرب كمجتمع حداثي او تناول التنمية عوض الازدهار او الحديث عن دراسة المدينة وفق اطر نظرية بنيوية او وظيفية او اثنوميتولوجية او تفاعلية هو بعيد الامكان، لاننا امام شكل خاص مركب تغلب فيه القبيلة والاشكال الاولية للتضامن والعصبية التي كلما ظننا انها ايلة الى انهاء الانقسام سرعان ما يظهر بمواسم التبوريدة واحتفاليات “غير بريئة “بالمتفوقين مدرسيا بمجال جماعة (قروية – حضرية) وبكل شبر من الجغرافيا مع ما يعنيه ذلك لدى الباحث الذي يحتار امام اسئلة مؤرقة من قبيل :

 

ما الذي يجعلنا كلما غادرنا حلقة القبيلة نعود اليها مكرهين ؟ لماذا كلما حاول الفرد المغربي تجاوز”الذكريات الجماعية” وحق الفرد المستقل بكينونته، يجد نفسه امام العودة الطوعية الى الانقسام من جديد باتجاه القبيلة ؟ لماذا فجاة وقبيل فكرة ومشروع المونديال انت امام عودة اجداد مشتركين كنا ” تنسيناهم” لصالح( العهد الجديد) زمن التكنولوجيا، الرقمنة، الفرد النوعي؟ ما معنى ان تحتفي المديريات الاقليمية بالمتعلمين والمتفوقين وفجاة داخل نفس البوادي والقبيلة يعاد تكريس فعل رسمي مؤسساتي ” محايد “، يعاد توظيفه قبليا داخل تقسيمات متفاوتة “بطون، افخاذ ،عشيرة، جماعة “مع ما يصاحب ذلك من اذكاء الحمية والعصبية القبلية الغير البريئة قبيل الكثير من

الاستحقاقات التي لا تبني قوتها الا بفكرة “التبعية والنسب للجد المشترك (الذي تحل الجماعة السياسية محله، حسن رشيق سلطان الاخرين) مستنتجا، ان مواسم التبوريدة واحتفاليات متزامنة غطاء غير بريء يخلط العصر كله بين مقولة “دعه يعمل، الى دعه يبرر أفعاله بغطاء الطقس المقدس القديم”؟ إزدواجية لا تخدم البوادي اولا ولا المدن القروية ثانيا ولا تخدم الازدهار…

 

اننا مع التسليم بقيمة تاريخ الشعوب وحماية روافده الثقافية والحفاظ عليها والترافع حولها وتمريرها،دون اغفال امكانيات تجاوزها من اجل المستقبل كمسار الازمات النفسية عند (فرويد). لكن دعونا نتتبع ما يقدمه العالم كمثال سليم للقياس الشفاف الواضح لمعنى الاحتفال، هناك مثلا كرنفال” ريودجانيرو” له ميعاد ويوم وبعيد عن السياسيين، كرنفال “توماتينا باسبانيا” لموسم جني الطماطم مدني بعيد عن فكرة الجد المشترك والقبيلة التي تدس فيها الكثير من النوايا وهنا يكمن اشكالنا، كرنفال “سان فيرمين الاسباني” كذلك ذي البعد الاجتماعي الثقافي الموحد للاسبان، والذي له معاني غير برغماتية ولا قبلية ولا تؤدي الى مسارات غير بريء…!

 

نحن لسنا ضد التراث اذا كان يخدم الثقافة التي هي جزء من امكانية قراءة التاريخ “الشيق” اذا تعبنا من صروف الحضارة الوافدة ، لكن ان نتمنى قطع اشواط لنسمي كل الاشياء بمسمياتها الكونية، ونقول نريد تنمية، وراسمال مادي رمزي وبشري ونكنولوجيا، ومواطن حر، و17 مؤشرا امميا نسعى لها داخل دولة عصرية، فان منطق” العصبية” الذي تنتجه مؤثرات من قبيل العودة كل مرة الى مفهوم القبيلة الذي لم ينتج منذ 1844 قبيل” التربصات الفرنسية” بشرق البلاد الا ادوارا ثانوية بخلاف كلفة القبيلة وعلاقات القوة مع النظام ، كذلك مؤسسات اجتماعية كانت ترتبط عمليا بالقبيلة من قبيل الضريح والزاوية ودعوات النفير وغيره، فقد انتهينا قبيل الاستقلال الى قيمة “الحركة الوطنية” والفرد المغربي المستقل الواعي (1912ـ1956) الطامح الى دولة للرفاه والازدهار، دولة “نيوليبارلية” لما لا ، منصفة مجاليا وعمليا تؤكد استقلالها عن ” السبب الاول “، لان ما كان وما هو كائن بفضل المغاربة جميعا عرشا وشعبا.

 

علينا ان نؤمن بالمغربي المعزول عن فكرة “التيارات السياسية” في بنيتها الحالية الا ما يصلح منها بالصيف والشتاء، كذلك عدم الاستغلال اللاواعي لمعطى القبيلة الذي تقادم، ومجرد احياءه هو الضرب على الوثر الحساس لقطاع مهم من المجتمع لا يزال يربطه ببداوته الاصلية شغف عارم غير مفهوم من اجل مكاسب ومغانم لا تخدم الازدهار ، بل تعيد الانقسام الذي وجدت الامريكيين سباقون الى دراستنا من خلاله، واستحالة تجاوزه ! وتساهم في استفحاله الانتخابات قبل وبعد نهاية ازمنتها المستثرة في لاوعي الناس، بدون ان يتغير حال الذين على مرمى اعينهم امر الإزدهار، فيعاد ثبات المجال وليس تشكيله(مجتمعات ساكنة)، لان التشكيل هو حالة هدم وبناء وتغير وتقدم وتطور وديناميات…لذلك سئم الراغبون في ايجاد جواب لسؤال مضني حول: لماذا مع كل جهود الدولة والشرفاء من ابناء هذا البلد لم نمر الى السرعة القصوى نحو المراتب المتقدمة في كل الاتجاهات…صحة .تعليم…شغل…رفاه … مع قدرة هذا البلد سلك طريق وحيد بدون رواسب ثقافية (القبيلة) تلك التي لا تعيدنا سوى للمتنبي و”تابط شرا”، حيث ليس على الكلام مهما علا اي ضريبة ولا بيان حقيقة عملي مسؤول ومن ثمة لا يغير الشعر وجه حق مهما غير الشعراء مواضيعهم.

 

يوسف صبري كاتب راي وباحث بسلك الدكتوراه بعلم الاجتماع السياسي والتنموي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.