خطاب السلطة وخطاب الشارع!
يقول المختصون في “الحركات الاجتماعية” ان الفضاء العام المغربي على راس كل 10 سنوات سرعان ما يتعقد ويصبح الوضع اجتماعيا معدا للانفجار نتيجة الازمات بدون حل.
من الواضح ان هناك لكل نتيجة سبب نزول، او السبب “الاول” والذي غالبا تكون منطلقاته : اما ازمات اقتصادية كالتضخم او افلاس القطاعات المشكلة للاقتصاد او يكون سياسي يتعلق بطبيعة المديرين او يكون لاسباب تتعلق بعلاقات السلطة والقوة بين الفاعلين. وقد يكون في احيان كثيرة ناجما عن “فقدان الثقة” المؤدي الى المطالب والى الحراك من اجل التغيير…تغير واقع باخر افضل .
السؤال الاساسي هنا : ماذا ترك دستور 2011 من الفراغ ليعيد الى الواجهة شبابا لنفس المصير؟ مصير الخروج الى الشارع وقد شارك اولياء امورهم امهاتهم اخواتهم اساتذتهم ذاك العام من اجل التغيير ونتج عنه خطاب التاسع من مارس، وبروز مفاهيم جديدة تحمل في جوهرها تشريحا لوضع اقر الفاعل الرسمي والسلطة انه لم يعد يستجيب حينها الى مواطني بلد قد تغيروا وتلك من طبائع الاشياء نحو التحول.
قبل فترة من هذا التاريخ او لنقل منذ ما بعد 2011 لم تمش الامور كما يجب، وسرعان ما صار المجتمع المغربي يتفاعل سلبيا مع واقع ظهر بالنهاية ان “النخبة السياسية ” لم تفهم مناخ التغير ولا الالية الرئيسة لذلك، لم تترجم نبض الشارع بالربيع العربي المتعطش الى وضع مثالي لانه بالنتيجة لا البشر ولا الحيوان يرضى البقاء في الحضيرة .
كانت النخبة السياسية غير مجدية ولا مجتهدة ولا تتقن الانصات و التفاعل والالتقاط، واستمرت في خلق نظام “محايد” من السياسات العمومية لا تعود الى نتائج ومخرجات تعاقد 2011، وبين الكفتين الغير المتوافقتين برز اتجاهان :
ـ نخبة سياسية لا تنتمي الى نسيج المجتمع غير واقعية وليس لديها برنامج ولا تملك الثقة ولم تمنح هذه الوسيلة للعبور نحو التنفيذ.
ـ مواطن له انتظارات كبيرة ولا يجد الكيفية لإعادة اسماع صوته خارج زمن الانتخابات الذي بات منهكا ومكلفا ولا ياتي بنخب جديدة ،عصرية و طنية،(لازارسفيلد).
هنا حدثت حالة من “غير التجانس”، صارت النخبة السياسية التي قدمت نفسها للشعب المغربي ليست هي المرجوة بمقتضيات الواقع وامال دستور في كل مواده، حيث يبدو هذا الاخير واعدا مهما وبامكانه خلق مناخ للثقة واالعمل ، مقابل ذلك كانت هناك اجيال جديدة تكبر وتكبر احلامها في البقعة الرمادية خلف” الردهة “، صارت مع الوقت تجد في وسائط التواصل فرصة تمرير خطاباتها، لكن لم يكن الوقت قد حان، لفهم ما يتمدد هنا وهناك ويتحول الى قضية مركزية تتعلق مرة اخرى بكون المغرب عاد الى ازماته وحراكه. ( عودة مفلس صرف كل امواله وضيعها في تجارة بدون حسابات دفيقة ونظام وفهم مسبق لطبيعة السوق وعلاقات المنتجين والمستهلكين).
علينا ان نتاكد انها ليس المرة الاولى او الثانية، واننا في بلد كتب على نفسه ان يمضي بشعبه نحو الرخاء والازدهار والتقدم وكل المفردات والمفاهيم التي هضمها جمهور واسع من المغاربة ودرسوها ب”تقرير الخمسينية” و”النموذج التنموي” وشيدوا حولها احلامهم الرائعة، وبكل فكرة تروم تغيير هذا البلد نحو( الرفاه والدولة الاجتماعية )، انما اليوم نستيقظ على نفس” الورم”، وهو اننا ندور بنفس الاطار الذي يعيد الى الاذهان مغربا تتتابع ازماته مع أجياله كل عقد، سرعان ما يتم ضخ حلول عاجلة من الدولة لامتصاص الغضب بوسائل مرنة او قاسية… المهم( اطفاء) حراك مجتمعي كما يحدث في الازمات الصحية والامراض بدعوة فرد الى تدبير اي طريقة لتخفيف المه او ابطاء تفشيها حتى ينتهي نحو موت محقق او عاهة مستديمة…!
المفيد ان من خرجوا هذه الايام ليسوا سوى تعبيرا عن عدم نجاح تجاربنا في استيعاب الاجيال والمطالب وتوكيد المكتسبات، لان الذين شاهدناهم شباب وشابات ومعاناة واصوات ترتفع في كل رقعة يسمح بها ادعاء الحق المنصوص عليه دستوريا، فاما ان نتجاوب مع تلك المطالب او نقوم بدبح الدستور مرة ومرة …كلما تبين انه يمكن ان يكون وحده الضحية امام الازمات التي تصرفنا عن التعاقد الى ترسيخ مفهوم الدولة “المرنة”، التي تقمع حينما تنسى، للخروج عن الشرعية، بينما هي في زمن اخر ومع اجيال تعلمت وتخرجت من المعاهد الوطنية ويجب حمايتها وتحقيق تطلعاتها، وان درجة الوعي لا تتاخر بحكم شروط التطور الكونية التي لا ترجع الى الوراء مهما اعتقدنا. (هربرت سبنسر)
علينا ان نتيقن اننا ننتمي الى واقع “عالمي كوني” متبدل، دينامي تحررت فيه الإرادات عبر “وسائل الاتصال الجماهيري ‘ (لازارسفيلد)، وان رمي الحبل على الغارب كل مرة بدعوى عدم اليقين بكون دعاة هذه الحركات فقط متامرون هو غير صائب، وان نفهم ان المغاربة شعب ، وان الشعب له جدور وتاريخ وله من التفاعلات الرمزية والمادية الكثير، واننا بجو التيكنولوجيا والعالم الصغير “التوليدي” الشبكات الممكن استغلالها لتعبئة الاجيال والمواطنين بعضهم ببعض، وان المطالب يريد المغاربة ايصالها وتتعلق بالحق في الحياة الذي يضمنه الدستور، وان هذا الشعب لم يجد مرة ثانية سوى الحق في التظاهر السلمي الذي يحميه الدستور… ففعل. وان فرنسا عاشت مع كل تقدمها محطات للتغيير 1968، وانه ليس عيبا تمتيع هذا الشعب من الاجيال الجديدة واباءهم ومن لهم الحق عليهم بحياة كريمة، الا اذا كنا نريد دس رؤسنا بالتراب وصرف النظر عن الاسباب الحقيقية وراء ازمة وجوع وعطش ومرض وغلاء ومصائب مجتمع باتت حيلة الصبر لديه مقدار جزيئات.
المغرب بلد جميل بتاريخه، بارضه وشعبه، بكل مافيه من العراقة والتعدد والعيش المشترك بين الجميع لكن ليس كافيا في فرد ان يتميز بكل مناقب الرجل العظيم وهو جائع مريض.
علينا ان نعي ان مواجهة ذواتنا شيء مجد وغير مخجل، فالمطالبة باصلاح الاوضاع هي سمة كل المجتمعات الانسانية ومطلب الدولة والسلطة التي تحتاج الى معرفة اين وماذا تحتاج فعله في القادم ! ولا يكون ممكنا الا بتشريع دستوري يحمي الحريات والحقوق واولها حق التظاهر لفهم المطالب والتعاقد وقياس ماذا يتوجب فعله.( سوسيوغرام)
في المقابل تخيل شعبا لا يتظاهر ولا يطالب بذلك ولا تحمي الدولة تلك الحقوق ،فان الفاعلين والنخبة والدولة سيضيق فهمها لطبيعة السياسات العمومية وجهود النخبة وجهود الادارة واين تحتاج الى التدخل…في الاخير وللاسف ينتج المغرب منذ الاستقلال نخبة سياسية “عاجزة “(جون وتر بوري) راكمت من الفوائد ما جعلها في واد في غياب تام لادوات الانصات او فهم طبيعة الخطابات القادمة من الاسفل حيث الجوع والمرض والقلق الوجودي المؤدي الى الانتحار…. ومع ذلك نصر على انقسام تنتجه الانتخابات التي لم يستثمر فيها المغرب الدراسات الغربية حول انهاء ازماته الآتية من ظاهرة الانقسام.
صبري يوسف، كاتب راي وباحث في علم الاجتماع السياسي والتنمية بسلك الدكتوراه.
