لماذا يتمرد الناس؟ بين فجوة التوقعات وواقع الخيبة
عبر التاريخ، لم تكن الثورات والانفجارات الاجتماعية وليدة الفقر وحده، ولا نتيجة مباشرة للاستبداد السياسي، بل غالبًا ثمرة إحساس أعمق بالخيبة. هذه الخلاصة هي ما بلورها عالم السياسة الأمريكي تيد روبرت غور في كتابه الكلاسيكي “لماذا يتمرد الناس؟” (1970)، حين طرح مفهوم الحرمان النسبي باعتباره المفتاح لفهم التمرد والعنف السياسي.
وفق غور، لا يثور الناس لأنهم لا يملكون، بل لأنهم يتوقعون أكثر مما يحصلون عليه. حين تتسع الهوة بين الطموح والواقع، يتولد الإحباط الذي يتحول بدوره إلى طاقة احتجاجية، وقد ينفجر عنفًا حين يجد من ينظمه ويوجهه. بهذا المعنى، الفقر الصامت لا يخلق ثورة، لكن الحرمان الذي يتقاطع مع وعود لم تتحقق أو آمال مُجهضة هو ما يدفع الشعوب إلى الانفجار.
الحرمان النسبي يتخذ أشكالًا متعددة: فقدان مكتسبات سابقة في لحظة تراجع اقتصادي، أو بروز توقعات مرتفعة دون وسائل لتحقيقها، أو انتظار تحسن سريع يتأخر إلى ما لا نهاية. وكلما كان هذا الحرمان جماعيًا، تحوّل التوتر الفردي إلى غضب اجتماعي قد يعصف بالأنظمة.
لكن مشاعر الإحباط وحدها لا تكفي. فلكي يتحول السخط إلى فعل جماعي منظم، لا بد من وجود أيديولوجية تمنح الغضب شرعية، وتنظيمات قادرة على تحويل الانفعال إلى مشروع. هنا يظهر دور الأحزاب، الحركات الاجتماعية، بل وحتى الجماعات المسلحة، في ترجمة المشاعر المتفرقة إلى تمرد مؤطر.
أما استجابات الدولة فتحدد مسار الأمور: القمع يزيد منسوب الغضب، بينما الإصلاح وفتح المجال للمشاركة السياسية يقللان احتمالات الانفجار. العنف، كما يقول غور، يحتاج موارد وفرصًا ملائمة: ضعف الدولة، دعم خارجي، أو ظرف تاريخي استثنائي.
اليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور هذا الكتاب، ما زالت أطروحته صالحة لفهم كثير من الأزمات الراهنة. ما يحدث في بقاع عدة من العالم ليس سوى تكرار لمعادلة الحرمان النسبي: وعود كثيرة، واقع هزيل، وتوقعات تتجاوز الإمكانات. وعندما لا يجد المواطن القنوات السلمية للتعبير، يكون العنف السياسي هو البديل المرير.
الدرس الأبرز الذي نستخلصه أن الحل لا يكمن في إخماد الغضب بالقوة، بل في تقليص الفجوة بين ما يتطلع إليه الناس وما يعيشونه فعليًا. العدالة الاجتماعية، إشراك المواطنين في القرار، وتوزيع عادل للموارد ليست مجرد شعارات، بل صمامات أمان لأي مجتمع يريد أن يتجنب الانفجار.
