الشَّيطان والمَلاك…بين أخلاقيات النشر وفتنة الدوافع الخفية

0

تطرح قضايا النشر، كما ينظمها القانون، حدوداً واضحة بين المنع الصريح والحرية المشروطة، ما يجعل الصحفيين خاضعين في نهاية المطاف لسلطة النصوص القانونية. أما حين يتعلق الأمر بسؤال الأخلاق، فإن السلطة تنتقل بالكامل إلى ضمير الصحفي، حيث يصبح الاختيار بين الخضوع لفضيلة القيم أو التمرد عليها فعلاً إرادياً خالصاً. فالقانون يُلزِم بالخوف من المتابعة، بينما الأخلاق تلزم بالقناعة الداخلية، ولذلك تُعدّ يقظة الحس الأخلاقي المعيار الحقيقي للمهنية والنزاهة في العمل الصحفي.

 

إن سؤال الأخلاق في الصحافة سؤال ملتبس ومفتوح، لا نهاية له. ليس فيه منتصر أو مهزوم، ولا شيطان مطلق ولا ملاك خالص. تختلف الاجتهادات بين المؤسسات الإعلامية كما تختلف داخل الصحفي الواحد تبعاً للسياقات السياسية والثقافية والاجتماعية، وللمرجعية الحقوقية السائدة في المجتمع. فكلّ تقنين أخلاقي، مهما كان منضبطاً، يترك الصحفي في النهاية وحيداً أمام الصفحة البيضاء، أو عدسة الكاميرا، أو آلة المونتاج، يصارع ضغط الوقت، والسبق، والحاجة إلى اتخاذ القرار الأكثر نفعاً والأقل ضرراً.

 

في لحظات المأزق، تتصارع القيم الأخلاقية أمام الصحفي: صدقية الخبر، احترام كرامة الأفراد، واجب الرحمة، مراعاة آثار النشر… غير أنّ المعيار الأعلى الذي يجمع المرجعيات كلها يبقى المصلحة العامة: ما ينفع المجتمع، يكشف الفساد، يحمي الناس، ويخدم الوعي الجماعي. غير أن هذا المعيار، على سموّه، لا يستقيم إلا بوجود عنصر آخر غالباً ما يكون خفياً أو مُهملاً: نُبل الدافع الصحفي.

 

فحين تمتزج المصلحة العامة بدافع شخصي للصحفي—خصومة سياسية، نزاع قضائي، ثأر ذاتي، أو حتى رغبة غير واعية في الانتقام—يحدث التشويش الكبير. يتسخ معنى البطولة، وتُصبح “الشجاعة المهنية” مجرد قناع مؤقت. وحتى عندما يكون الدافع الشخصي عادلاً، والمصلحة العامة حقيقية، فإن تضارب المصالح ينسف جوهر الأخلاق في النشر.

 

ولهذا تلجأ المؤسسات المهنية عبر العالم إلى حلّ بسيط وعميق: الفصل بين المادة الصحفية ودوافع صاحبها. ويُكلَّف فريق محايد بالتحقق والإنجاز، حفاظاً على الصفاء الأخلاقي. هكذا فقط يُطرد “الشيطان”، ويُستعاد معنى المصلحة العامة في أنقى صوره.

 

بين الملاك والشيطان في ضمير الصحفيين خيط رفيع، لا يُرى. وبين الخير والشر في النشر الإعلامي مساحة رمادية واسعة لا تُكشف إلا بعد أن تهدأ العاصفة. عندها فقط نكتشف أننا جميعاً انهزمنا: المهنة، والمبادئ، ورسالة الصحافة. وأننا لم نكن سوى كومبارس في مشهد كتبه وأخرجه “مسرِّب مجهول” يتقن حبكة العناوين العاطفية، وينسبها باسم المصلحة العامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.