يتحدث المغاربة بأصوات عالية في بيوتهم مناقشين قضايا السياسة و السياسيين و القوانين و التشريعات و جور الحكام، و يتحدث همسا و لمزا و غمزا رواد المقاهي من النخب عن الثورة الكامنة في الضمير الجمعي للأمة، و يعبر الرعاع عن سخطهم عبر الوشاية و الشكاية و التواصل المباشر مع وسائل الإعلام و الجمعيات الحقوقية و كلما وصل السيل الزبى و طفح الكيل و بلغ الغضب درجة كبيرة من الإنسيابية مع كل استطلاع للرأي أو استقراء أو امتزاج للاتجاهات. هذا ما يسكن صمتنا و ما تخفيه العزائم و النوايا و المفكر فيه في أخيلتنا و هواجسنا و انشغالاتنا، تمة إجماع بأن الرباط لا تمطر العدالة و بأن البلاط يسود و يحكم و الشعب قطيع يتناوبون على رعيه و الظنأ الناطح يتم التضحية به و تقديمه قربانا و فزاعة لكل الذين لا يعتبرون. إن شمس الحقيقة التي يعلمها الجميع لا يستطيع أن يحجبها غربال لغة الخشب و الخطاب الشعبوي أو الكلام الإنشائي لتبيض خروف أسود، و لكن الخوف فصيلة الثائرين في جب الصمت الرهيب، و الجبن إرادة الحاملين لمعاول التغيير و الاتكالية أفق الحالمين بتنكيس أعلام الاستغلال و الاستبداد و الفساد و المنزلة بين المنزلتين مروءة و رجولة و شهامة.
و هنا الشعب لا يريد كرامة مطلقة و لا يريد عدالة اجتماعية بمفهومها الشاسع لأن سياسة الحاكم بالسقي بالتنقيط فقط و الحقوق لا تعطى في طبق من ذهب و السيادة حرمة تنتهك باختراق أجوائها و بالحجر و الحماية و بالاستسلام و رفع الراية البيضاء. و هنا الشعب هو المخطأ لأن الحاكمين يتقلدون المسؤولية مشكورين و خروجنا للشارع فوضى و إخلال بالنظام العام و علينا أن ننتظر القرارات و نتقيد بالواجبات و لا نكون متغابنين في وطن ظاهره رحمة و باطنه سعير جهنم.
فهل يحق لنا أن نعتبر المخزن جهاز في خدمة الشعب و الاحتجاج ضد هذا الجهاز القمعي سلوكا غير مدني خصوصا أن نسبة الاستكانة و الانبطاح و التخاذل في مد تصاعدي، و هل يحق لنا أن نتساءل حول هذا التواطؤ الكاسح و الذي يجتاح كل الطبقات بأنه درجة مرتفعة من المواطنة و المسؤولية أم هي الفوبيا و مرض الخوف المزمن من غول المخزن الذي لا يقهر؟ إنه المخزن و التقاليد المخزنية المرعية التي أوقفت زحف الربيع المغربي الديمقراطي، و هذا المخزن استطاع أن يغزو جبهات المثقفين و السياسيين و النقابيين و الحقوقيين و المجتمع المدني و تمكن من استعادة صلابته و قوته و جبروته و رجع الخوف يداعب الحناجر و القلوب و الإرادات فأصبح النبس ببنت شفة واحدة خط أحمر لا تسمح به الطبقات الصوتية.