المحاكمة الجائرة.

0

qoqi

بقلم:عبدالكريم قوقي.
منذ صباي و نعومة أظافري، و حلمي المغتصب يكبر بين جوانحي، و فراش الحب يرفرف في أنحاء  فؤادي العليل بمحبة محبوبته المنحوثة هالتها في ادراج خياله، ينطلق سابحا في فضائها الفسيح، مجموعات متلألئة كأنها فوانيس سحرية، رسولا  لأواصر محبتي، فأنا المتيم الحائر الولهان، العاشق المجنون، الحالم بضمة بين صدرها، منهمرة منها مقلتي وديانا فياضة من زلال العشق، و الطامع برشفة من شفتيها، احتسي منهما كأسا زنجبيلا. تخيلتها في هجوعي و لحظات استسلامي عروسا يحفها حفظة الحب و يزفها الولدان إلي فنائي في موكب مهيب، بفستانها الزمردي و تاجها العظيم المرصع بزمرد الكرامة و ياقوت الشرف، و أنا واقف على باب قصر أحلامي  في أبهى حللي، منتظرا بشغف و أمل يبدد توجسي طلعتها البهية و وجهها النوراني المشع حنانا و عطفا و متهمسها صوتها الحزين الحنون النابع من أعماق أعماق خواطرها. انتظرت و انتظرت الساعات و الأيام و الليالي و السنون و أنا واقف على باب القدر متوسلا  الفتح المبين و المن الكريم من خزائن  بركاته و مفاتيح علمه و خفضه لي جناح الذل من الرحمة، و أنا الراكع الذليل المنتظر طلوع بشائر موكب أنسجته أبخرة أحلامي، أو رسول المنايا ينعي إلي خبرها أو حماما زاجلا يأتيني بخبرها اليقين. طال انتظاري و صار ليلي نهارا و نهاري ليلا، و بات حبل الوقت لا ينقطع، و بدأت زهور الأمل تذبل و أقحوان الرجاء يتحلل في نفسي ، و غنى عندليب الأماني أنشودة يطول نظم قوافيها، و مع كل لحظة تتهاطل علي الأفكار الهدامة من كل حدب و صوب  لاعبة بمخيلتي كما يلعب القراد القراديح، حفت جوانب قصر يقظتي أسراب الملك الحزين، تردد في صمت رهيب أغرودة الوداع و الفراق الأبدي، قبل  أن ينبس كبيرهم ببنت شفة من كلمة، في خطى متثاقلة  و رداء الاستحياء يكسوه، و الدموع منهرة من جفونه جداول رقراقة، مخرجا من بين جنبيه ما تبقى من إزار شرف و عفة حبيبتي، ليلتحق به جمهور المعزين و المآزرين من كل بقاع وطأتها قدماها، ليؤذن بعدها مؤذن من أعلى القصر، الذي أصبح قفرا و جداءا من شدة الحزن و الأسى، أن الوحش المفترس و خليله الأمرد انقضا على موكب الحبيبة، انقضاضة الباشق على صغار القطا، و طار بها يسبر بها أدغال سواد قلبه و جحيم قفاره، و قلعته المضروبة حرسا شديدا،  ليحشد بعدها حشود المتزلفين و الطامعين الركع السجود، في ساحة الوغى، ليشهدوا فصول محاكمة  جائرة تكتنف رغبة الانتقام و الاغتصاب و الإذلال، بمباركة رئيس القضاة الذي انغمس في ملذات الحياة و دنس كبرياء القاضي الشريف بكؤوس النبيذ المعتصرة خمرته من مظالم  الشعب الجريح ، وولاء كبير الرهبان بمسوحه الذي تتساقط ذلا و انكسارا، و تسبيحا باسم وحش لا يستيقظ من ثمالته إلا بحلول الظلام ليزداد قلبه سوادا، اجتمعت الجموع في الساحة تنتظر يوم الفصل بين الحق و العفة و الإيمان و الظلم و الجبروت و التسلط و التعجرف، و صل الموكب المهيب و حانت اللحظة القاتلة، فدخل المتسلط في حشد كبير يتقدم كبار الساسة و الكبراء المنبطحون و النبلاء اللصوص، لتتعالى الهتافات و الصياح بحياة الوحش الكاسر، الذي لا مخر إبرة في محياه من حياء و وقار، جلس فوق الكرسي المزركش بلآلئ الظلم و البغي، و انطلقت المسرحية الهزلية أمام الشعب الذي لا يفرق بين العصا و الألف، شعب اغترف من غرفة الجهل الذي غلف قلوبهم فصارت لا تتبصر بنور الحقيقة و تتبع الضلال أينما نادى مناديه، شعب، شرب من شربة الحمق و الجنون فصار يرى قبس العدل ظلما، و جحيم الظلم عدلا، شعب، أرادت به إرادة العبث أن يكون صنما لا يتكلم و عبدا يخر تحت قدمي سيده باكيا متوسلا من أجل فتات لا يسمن و لا يغني من جوع، نادى العون في الخلق أن المحاكمة ستبدأ، و أمر العسس بإحضار المتهمة المخطوفة، و لو أن العدل يجد مبلغه عندهم لكان الوحش المتربع على الكرسي مكانها، دخلت المتهمة حبيبتي في كبرياء يشع من وجهها الجميل قبس النور الالهي الذي طالما تحسسته في مخيلتي، و فستانها لؤلؤي يضيء كل أرجاء الساحة، و تخافتت الأصوات لا تسمع منها إلا همسا، و صار الحاضرون يهمسون في آذان بعضهم بعضا حاشا ما هذه بشر إنها ملاك، إنها ملكتنا و ما تبقى من شرفنا، يجب إنقاذها من يد البطش و الغدر التي أفقرتنا و تركتنا نهيم في أرجاء الفقر و العوز الذي أذلنا و أذل بناتنا وباتت الكلاب أشرف منا، لا، يجب أن نفعل شيئا، انتشر خبر المؤازرة انتشار النار في الهشيم، فتحولت الاصوات المنادية بحياة الملك تهتف بحياة المتهمة، و صحا الضمير من سباته العميق و لاح فجر الأمل من جديد، و هبت البواغم ألسنا صداحة بالحق، و تحرر عبيد الامس من قيود الانكسار، و كانت كلمة البطش هي العليا و كلمة الحق هي السفلى بقدرة العملاء و الخونة و اجهضت محاولة تخليصها من كواسر الجبروت و التسلط، ضرب صمت رهيب فناء الساحة، و استرسل القاضي الحقير الذي باع دينه و دنياه، يسألها من أنت؟ اجابت بتؤدة أنا الارض المعطاء المتسع قلبها لكل دابة، و أنا الخصيبة التي لاتمل من العطاء الوفير، أنا العبير التي تستنشقها أنت و ملكك الجبار المتسلط على الرقاب، أنا الدماء التي تجري في عروقكم من عطائي و جزيل حبي، أنا الأم الحنون الذي تعطف عليكم و ترخي ثدييها لتستسقوا منهما لبنا صائغا للشاربين، أنا الحبلى المكتنزة كنوزا و ثرواث في أحشائها، أنا الشامة بين جوانبها سهولها و جبالها و هضابها و مفازتها، أنا… وتدخل الراهب بسحنته اللعينة، مثلعثما، المحكمة تتهمك بأبشع ذنب ارتكبته الحرائر و بجرم لا تغفره السماء، أنت عاهرة استبحتي عرضك لمن هب و دب، لا يا سيد الرهبان، أنت المرتل كتاب الله و العالم بدقائقه و تفاصيله و العارف بحدوده و قصاصه، إن كنت زانية فمغفرة الله واسعة و لا حق لكم في مأخدتي و أنا الطاهرة العفيفة، أنتم من استبحتم عرضي و اغتصبتموني ألاف المرات و مع كل مرة استرجع بكارتي، سرقتم أحلامي و أحلام من أضمهم، افترستم  لحمي دون أن تعطو منه ولو قليلا إلى رعاياكم. سكت القاضي و الراهب هنيهة تم تهامسا فيما بينها، فنادى القاضي أيها العسس هذا حكم المهزلة فنفذوا الحكم الاتي: قررت المحكمة أن يترك أمر الزانية إلى الملك، و ترحل إلى قصره ليفعل بها ما يشاء و يراه مناسبا، و قررت المحكمة كذلك في حق كل من تضامن معها من الرعاع و الهمج أو أثار شيئا بخصوصها أن يصلب في جذوع النخل أو يرمى كطعام لكلاب الملك.

و بهذا أسدل الستار على محاكمة جائرة، و بذلك صارت العفيفة الطاهرة سبية عند الجبار المتسلط يغتصبها في كل لحظة و حين، و صار حلمي يتبخر رويدا رويدا، و لكن عزيمتي لم تركن للذين ظلموا، و استنهضت همتي لتحري محبوبتي، و لكن من أين لي أن أبدأ.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.