بورتريه : عبد الكريم التابي وجه مناضل من اليسار لم يبع تاريخه في زمن الباعة المتحولين.

1

TABI

ونحن نبحث في بورترياهات الرجال ، عن أرصدتهم وباعهم في كل الحقول والمشارب سواء منها السياسية ، الحقوقية ، النقابية ،الإعلامية والرياضية والثقافية ، باحثين عن من سيأتي دوره  بعد نهاية  كل سيرة ، وبالبحث وبالفكرة نهتدي إلى المزيد من البورتريهات هنا وهناك ، في زمن يجب الاعتكاف على هذا الجنس الإعلامي الحقيقي الذي من خلاله نتتبع سير الناس ، أولئك الذين حسبهم الجمهور ، جمهور القراء ، قراء التاريخ ، أنهم النخبة ، وكلهم مراده أن يصل إلى من يكون علان أو فلان ؟  وقد نكتشف بالبحث في السيرة عما لم نكن نتوخى إلى  معرفته عن من هو أمامنا ، فيما قد نكون نسجنا معه علاقات وصدقات أو عداوات ، والبورتري جنس صحفي لايعني رفع الحياء عن الأشخاص،  أو المس في خصوصياتهم أو ما لا يريدون تسويقه على نطاق واسع مفتضح ، بل بالعكس هو لون إعلامي من خلاله نصل القراء  بالأخر المستتر وراء جلبابه أو سيارته أو بيته أو مندس تحت غبار التاريخ  ، ثم الإحاطة به .

 ويؤسفنا أن قبيلة ” الرحامنة ”  لا تزال لم تتعرف إلى أبجديات الصحافة ، لوجود غير الصحافة  بهذا الإقليم ؟؟ والتي لا تستند إلى القواعد فيحسبها الناس قاعدة ، لذلك لا لوم علينا فنحن ماضون وسنصل الكثير من الوجوه المقبول منها أو المرفوض  ، وليس لنا دخل في ذلك بل ما يقتضيه العمل الصحفي سنقوم به دون مس بكرامة أو دون تحسيس صاحب السيرة بأننا نريد التقليل من شأنه بل العكس ما نريد .

وأنت حبيبي القارئ تقرأ السير،  وفي غمرة ما نعيش،  وفي غمرة التدافع الذي صارت ابن جرير مسرحا له ، كان لابد من تغيير اتجاه ” العدسة ” إلى وجهة أخرى ، طامعين من المعين جل جلاله أن يقوي فينا إيجاد من نبحث عنه فوجدناه ، إنه عبد الكريم التابي ، الأستاذ،  الرجل الصامت ، الرجل ذو القبعة  المختفي مند مدة ليست بالقليلة عن الأنظار ، وبالبحث والتقصي وراءه  ومن غير أن يرنا لازمنا أثره وخياله  ، وبهدي الهداة ، وجمع ما تيسر عنه ، أجمعت أغلب الأراء حوله ، بأنه المناضل الذي لم يبع سيرته بل ولا تاريخه ، ومستودع شخصيته الكامن وراء معطفه ،الذي لا يتلون بل مطبوع مصبوغ بلون اليسار،  سوى أنه يغيره حينما يحتاج إلى التصبين كي يصبح جاهزا نقيا زاهيا اللون في زمن  ما يلتصق بالشرفاء من وساخة وفداحة وقلة الحياء من أشباه المخلصين لأنفسهم ولأفكارهم.

هو إذن ابن حي افريقيا ، وبالضبط ابن زنقة ” شلحون ” من مواليد نهاية الخمسينات،  لسنا شرطة تحقق في تاريخ الميلاد  ،  ولأننا لم نتفق مع الرجل على بعض مثل هذه التفاصيل بل نكتب عنه خلسة فقط ، ترعرع في نفس الحي ، وبدأ يشق طريقه بين أجيال مرورا بالستينيات والسبعينيات ومعانقة  ” سنوات الرصاص” مرغم أخوك لا بطل ، حين وجد نفسه يانعا يعد سنواتها بل وعايش محنها بطلا  لا هربا منها ، وتلك السنوات هي  مربط الفرس وغايتنا ، من والدة تشبع بها ولها فضل كبير في تربيته “أمي ربيعة” ، وهو ثالث ابنائها بعد عبد الجبار وجمال واحمد ، إلا أن من حاورناهم كشفوا عن المستور ، والمستور هذه المرة سيرة جدته العطرة ” أم شلحة ” التي قالوا فيها ما قالوه،  وليت التاريخ يعود لينصفها ، قالوا أنها ربت أجيال ، كان بيتها مأوى المحرومين والمستضعفين والفقراء والوافدين من كل صوب وحدب، هناك ينامون ومن هناك يستيقظون ، يأكلون ويشربون ، باب مفتوح في وجه ” عيال الله ” ومن هناك مرت وجوه ، باموس وعباس وميلود سوى بعض الشخوص ، بل أن دار” أم شلحة ” كانت محور حي إفريقيا  ومشعلها ، حتى أن عبد الكريم كان من مؤسسي فريق المشعل الذي ملأ ضجيجه نهاية السبعينات و عقد الثمانينيات ،  وللمشعل إشارة في زمن الرصاص  وفي زمن عبد الكريم ، زمنه النفسي والفكري ، وبارود المخزن “يعلعل”  في كل الأرجاء حاصدا الأرواح ، والتابي يكبر والأحلام تكبر فيه ، وضراوة المخزن تزداد متتبعة لنزق هذا الثائر الجديد ، وعليه حج إلى حي المجد المعروف قديما “بدوار القرع” ، وهناك سيضع اللبنة الأولى لمكتبة وفر لها جميع الكتب النادر منها والموجود ، وجعلها زاوية ومحجا للأجيال التي آمنت بفكر الرجل ، وجعلته نموذجا ، بل يذهب بعض من إلتقيناهم، إلى أن التابي كان له دور كبير في إشعاع حي إفريقيا على مر السنون وهو الرحماني المخلص لذاته ، علم الكثير منهم وأشبع سجيتهم علما ، بين إلقاء دروس في علم النفس من هناك ، من حي المجد ، إلى تشبع أبناء حيه بالاشتراكية العلمية ، موجها ومعلما قبل وحتى وبعد أن أصبح أستاذا ، بعضهم قال عنه أنه  إلى جانب المثقف العضوي البارز الملتزم الهادئ الطباع المتخلق ، فهو لاعب كرة مقدام ، وموسيقي يحب الغيوان حد الجنون ويحفظ أغانيهم ، ولا يخلو النبش في سيرة الرجل عن عادته على باب دار ” ولد لباندي ” حين يسخن الطرح ” فيجتمع عليه بنو زمانه لسماع أغاني الغيوان بصوته الشجي ، عنه يقولون أنه ادخل الأنس على أصدقائه في زمن يتربص المخزن بحي افريقيا لتشتيت المتجمهرين وعبد الكريم على مرمى هذا المخزن كل حين ،وعنه يحكي مجايلوه  قائلين ،  هو الأنيق ، هو المحب للثقافة الغزير المعرفة ، والأقوى من كل هاته التصريحات شهادة الجميع في كون الرجل ” لم يبع ” بل قالوا فيه ” رجل صدق الله ما عاهده عليه “.

وسيرته كبيرة طويلة ، ومن منظمة 23 مارس السرية إلى منظمة العمل الديمقراطي ثم امتهان العمل الصحفي و الإعلامي ، فاشتغل مراسلا لجريدة المنظمة و قبلها جريدة أنوال ، قدوته في اليسار بن سعيد ايت يدر ، وليس سهلا أن يزور هذا الرجل الكبير بيت التابي في مرات عديدة،  ويطلب منه أن يشرب رفقته حساءا هو الغاية ، ومن المنظمة في سفر بنفس الدرجة ، إلى الحزب الاشتراكي الموحد،  وبقائه وفيا لتاريخه ولنظرته للأشياء ولثقافته الرصينة وزاده المعرفي الكبير وصوته الناري كمدفعية تطيح الجدران. تلكم عبد الكريم التابي المحكي عنه ، في الحين الذي يرمى خارج  ومن على نوافذ سفينة اليسار ، المئات ممن تعبوا صبرا أو انبطحوا لحاجاتهم أو أولئك الذين أعياهم المسير،  كما يردد التابي  بين مقربيه ، وفي الوقت الذي يتمنى فيه الكثير من بنو أفكاره قائلين ” ياليتنا كنا ترابا” .

ونحن نطوي صفحة من سيرة ابن حي افريقيا ، نتوقف لبرهة من الزمن مع عام 2007 حين أسس لتجربة  ” أنوال تانسيفت ” الإعلامية ،  والمؤسف أن من أسسها بمعيتهم هم اليوم في مركب آخر هم خزنة” الأصالة والمعاصرة” وفيهم من بوسلهام يمينا ، وحمدي وعمر براكش وأمين لقمان الذي لا يزال يميل بين راغب في اليسار ومائل إلى اليمين  كما يحكون .

 وبإسدال  الستار عن حياة هذا الإنسان،  والتي لم تخل من صفعات المخزن الذي ظل تابتا ينسف كل مشاريع التابي ومرات يصفعه ” بلانديريكت ” ؟؟  وهو الثمن الذي لا بد أن يدفعه في زمن الاستهتار بالسياسة والسياسيين كل ذي مروءة سليمة .

وحياة كلها فيض، ما بين العمل السياسي ، الفكري و الجمعوي  كذلك ، وللتذكير فهو من أسس  جمعية “إقلاع الثقافي”  وليس إقلاع “الزعيم”  ،  وأول من بنى مشروع النادي السينمائي بابن جرير في زمن الرحامنة ، التي افتقرت  للسينما و لإقلاع ثقافي حقيق ،  بل  مجرد إقلاع  كما في عقيدة من يهرولون اليوم بإقلاع فيما يشبه الانتقال بسلام من الأرض إلى البهرجة و”الفلكلرة”  والنفخ في الكير والعودة بالوجوه وقد صقلتها ”  حمم الحداد”  .

ذلكم هو عبد الكريم التابي، الذي وبالجلوس إليه يحكي بعضهم تدرك أن فلسفته تجاوزت مؤهلات الدكتوراه ، إلى الاستشراف والترقي بلغة اليسار الجديد المتجدد الذي لا يؤمن بالبيع والخنوع .

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. chadia يقول

    تحية شكر واعتزاز لاستاذي العزيز عبد الكريم التابي .واني لمن المحظوظين الذين درسوا عند هذا الاستاذ العظيم وامنى من الله ان يوفقه في مسيرته المهنية
    والشكر الجزيل لكم لهذه الالتفاتة منكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.