إلى النورس الذي علمني كيف أضمد الجرح ، وكيف يصير الجرح عشقا وأغنية وباقة ورد.
إلى النورس الذي حملني عبر جناحيه في رحلة الإسراء ، قادما من قلق الشك إلى مرفأ الاطمئنان .
إلى والدي الذي دلني إلى مجاهيل القراءة وأنا غض البنيان ، طري العود ،أتابع في حيرة الأطفال ـ عبر جريدة العلم ـ أخبار حرب الفيتنام و حرب الخامس من يونيو ، وكأس العالم بميكسيكو 70 ، ومحاكمة الليوتنان كولونيل أمقران ، والملازم لكويرة. ومحاكمة أبطال بلا مجد في أحداث مولاي بوعزة ،وعلى رأسهم الشهيد عمر دهكون.
إلى جدتي الأمازيغية التي ناجيتها في أقسى درجات الانهيار : يا جدتي لم البحر واسع ؟؟؟ لم الناس تعشق وتخشى البحر ؟؟؟
إلى أخي الذي أدار مقبض اهتمامي من فضيحة منتخب الكرة بكوماسي سنة 78 إلى محراب اليسار . وعندما فتحت الحقيبة ـ الهدية ـ التي أتاني بها من فرنسا ، لم أعثر فيها سوى على التقرير المذهبي لمنظمة 23 مارس ، وديوان “يعيش أهل بلدي” للراحل احمد فؤاد نجم ، و “الشرارة” لعلي الادريسي القيطوني ، و”المناضل” ومنشورات وملصقات، تم حرق بعضها ،وطمر بعضها الآخر بعد الاعتقالات العشوائية التي طالت مناضلي اليسار أو من يشتبه في الانتماء إليه عقب أحداث84.
إلى افريقيا أما، أنجبت من رحمها الولود، فكرة بسعة مشروع ثقافي اسمه “الإقلاع” والذي لم يكن واضع الاسم لها واللوغوس سوى الأخ وابن الخال محمد بوخار ، وفكرة بسعة مشروع سياسي اسمه اليسار ، ولم يكن حاملها وباذرها سوى شخص يقال له عبدالجبار التابي ، ومشروع رياضي ،ثقافي ،فني ، بخلفية سياسية ، ولم يكن ملهمه وراعيه سوى كاتب هذه السطور ، ولم يكن رجالاته وأعمدته والاوفياء له، وميليشياته سوى قشدة من شبيبة الحي ،والوافدين عليه، والمتعاطفين معه ، الذين أجمعنا وإياهم على شعار واحد :جميعنا البيرق وجميعنا الفيلق.
إلى بلاد بريس، التي أخرجتني اليوم بالرغم مني من معتكف طال أمده وسط شذرات مثناترة لشخصيات قلقة ومهمشة ومجني على تاريخها ، من ابن الرواندي ،إلى الكندي ، إلى الرازي ، إلى بشار بن برد ، إلى الجعد بن درهم ، ووسط ركام من أسئلة تبحث عن الجذور التاريخية للشريعة الاسلامية وتغوص في حروب دولة الرسول ، وتحفر في زمن العرش والفرش، وتجري وراء تفاصيل شيخ المضيرة “أبي هريرة”. وتتبع نوطات “شدو الربابة بمجتمع أهل الصحابة”.
إلى كل هؤلاء أهدي هذه المساهمة المتواضعة
‘’أيتهااللؤلؤة ، إنك تسكنين آخر قطرة من دمي ، وحين تشاهد الريح عذابنا فلسوفتنفجر’’.
عيناك لازورديتان مفتوحتان دوما لأبخرة وحرائق ونفايات الوادي . شعرك الغجري تتدلى ظفائره على إزار مطرز بخرق الأطفال البالية . بين عيونك وعيون أهليك يستوطن الحزن الهادئ حقولا وغابات . على خديك المتوردين ندوب جراح غدر الخلان والغرباء . على ناصيتك وشم بسعة الغدر والخيانة . من دروبك الضيقة ينحدر قطران الغبن والمهانة . من لظى شفتيك تفوح شهوات الحب .
وأنا أحبك ..كم أحبك .. أيتها المنتحلة لاسم قارة الجوع وذبابةالتسي التسي ، ومقابر الموت في أنكولا ولورانسو ماركيز . كنت أنتشي بمنظر صغارك وهم يقرعون الطبول عند رواح الشمس، و على جنبات الوادي يلوحون بصواريخ الحسين البلاستيكية ، يدعمون بلا شروط أطفال العامريةالموتى والمحاصرين .
حملتك الطبيعة نبتة على أجنحة الجوع والفقر مهاجرة من فصولك الأربعة العجفاء ، وحطتك دون تحديد طوبوغرافي على قارعة سفحي الوادي ،الذي سيصبح فيما بعد ابنا شرعيا لك ، يعتد بحمل اسمك المتأصل من سلالة أنجبت باتريس لومومبا وكوامي نيكروما ويوليوس نيريري وأحمد سوكارنو ونلسون مانديلا والمهدي بنبركة وعبدالكريمالخطابي ، وزنجيا أدمى القيد معصميه ، وبطاقة نووية من الصبر والاحتمال يصيح : شكرا لك يا رب ، لأنك خلقتني زنجيا أسود، من فصيلة “كونتا كنتي” ومعاناته الفوقبشرية ،كما صورها بشكل رائع السينياست فليكس هالي.
من طين الأرض المعطاء وتبن البيدر زمن الخير ، نسجت لأبنائك أعشاشا تستمد دفءها من بساطة الانسان وكدحه المستمر .ترعد السماء هنا ، تشق سيوف البرق أديم السماء هناك ، تبكي السماء بغزارة ، يهدر الماء طوفانا جارفا . تجرف أبنيتك السيول الهائجة ، تختفي المعالم ، فتنعزلين عن العالم ، فنسعد ـ نحن أولاد افريقياـ بإجازة مفتوحة تريحنا من إرهاب المدرسة ، ويغار أولاد الدوار الجديد ويتمنون الطوفان والفيضان .
يوقظني شذا أزهار البرتقال الفواحة من عرصة ‘’بلمحجوب’’في تلك الصباحات الآذارية اللطيفة ، فأفتح المذياع الصغير ، فتطلع القديسة فيروزبصوتها الملائكي صداحة من ضفاف نهر الليطاني وتشنف سمعي ب : عم بيتضوي الشمس ع الارضالمزروعة . عم بيتضوي الشمس والدنيا ع توعى .
نشرب الحليب الذي يوزعه فلاحون فقراء ممزوجا بالزعتر .. يقرأ مذيع نشرة السابعة الأخبار فنصغي السمع للتطورات في سايكون ولاووسوهانوي وبنومبين . تعصرنا الغصة ومدافع الهاون والبازوكا الاسرائيلية تدمر طائرات العرب حتى قبل إقلاعها ، ومع ذلك فالعرب اعتبروها حرب الكرامة .
نسرع الخطو محملين بعبق روائح الزهر المنبعثة من عرصة بلمحجوب ، شبه عراة وشبه حفاة ،بملابس رثة ، هي بقايا ومخلفات إخوتنا الكبار .نحشو محافظنا (اكياس بلاستيكية )بأدواتنا المدرسية البسيطة جدا ، إضافة إلى قطعة خبز عزلاء ، ندخرها لوقت الاستراحة ،لنستمتع بمذاقها اللذيذ ك”كوتي” نصرفه للمعلم بالتقسيط غازات لا تشبه غاز الخردل إلا في كونها تبعث استرخاء الأعصاب ، وتدمر جدول الضرب ، وترفع ما لا يرفع ، وتحول الناصب جازما ، والناسخ منسوخا .
وأنا أحبك ..كم أحبك أيتها الراقدة في هامش المدينة . أعطيتني الأبجديات الأولى للمعرفة مع ربيع ‘’بــــــــــــــراغ’’وانتفاضةأولاد خليفة‘’، ومعركة الخامس من حزيران ، وانتفاضةالطلاب في فرنسا ، ومشروع السافل وليام روجرز ، وقدسية الأب ‘’هـــــــــو شــــــــــــــــــيمنه‘’.وظهور الخلايا الأولى للحركة الماركسية المغربية.
واليوم ، قضى رجالك الطيبون نحبهم ، والتهمت بلدوزيرات الحضارة المزيفة شجيرات البرتقال والكرز من جنبات الوادي ، ودكت الآبار ، واختفت الحقول الصغيرة المجاورة ، ولم يعد الفلاحون البسطاء يفيقون في الأصباح الآذارية والحزيرانية الجميلة ليوزعوا الألبان . وولى عهد التكافل في الأحزان والمسرات . وبحت حناجر النسوة من زغرودات الفرح احتفاء ب ‘’تخريــــجة ‘’طويلب صغير لسلكة من القرآن أو لنجاح تلميذ في الشهـــادة .إلا أن المعمار لا زال على حاله كما اختطه الرجال البسطاء ، ولازالت المسيلات تنحدر دامعة من الأزقة .ولازالت بعض الدور الطينية قائمة تصارع الخرسانة والحديد المسلح . لا زالت المستنقعات تصيب عيون الأطفال بالرمد . لا زال الوادي قاعدة انطلاق عدوان وإغارة البعوض .لا زال الصيف يسرح العقارب والحشرات السامة . لا زال الناس يتوالدون رغم حملات تنظيم الأسرة . لا زالوا يلدون ويولدون وينتشرون في المزابل حفاة عراة ،يتلقحون ويتمنعون من جراثيمها . لا زالوا يتكيفون مع هذا الوسط الملوث ، يحرقون الإطارات المطاطية ، يتمثلون ‘’كرانـــــــدايزر ‘’.لازالوا يتحلقون حول القرابين التي يصطادونها وهم يستحضرون مشاهد الهنود الحمر في أدغال الأمازون وأحراش الكولورادو.
لا زال خريجو المدارس العاطلون والمعطلون يجوبون الأزقة نهارا ، حتى إذا تهالكت الأجساد ، تفرق الجمع ، إلى أن تنحدر الشمس إلى مغيبها ،فينزوون في الزوايا والأركان حتى إذا سرت النشوة في الأوصال ، انتشلوا المرحومباطما من نومته الأبدية ، وأنشدوا معه :
رحلت الجدة الودود السموح فاطنة الشلحة ،التي اضطرها مغرب الجوع والفقر إلى أن تهاجر بمعية أطفالها الخمسة مشيا على الأقدام ،من نواحي أيت أورير إلى دوار البكارة بنواحي الصخور . رحل الجد بنعيسى الشلح بعدما حوصر لشهور أثناء تواجده بمنطقة خنيفرة في أحداث مولاي بوعزةوهو لا يعلم عن الثورة الموؤودة سوى سومة الفدادين التي جاء من أجل حصدها . رحل جندي لاندوشين الخال بوجمعةبوخار ، ولم ينل من عذابات المقاومة في مغرب الاستقلال غير أصبع اقتلعته شظايا قنبلة انفجرت أمامه في أحد أحياء مدينة فاس .رحل سقاء الحي العم ‘’الكبير’’الذي حملته الجدة على ظهرها من أيت أورير إلى دوار البكارة . رحل الوالد، المثابر، السمح، الصبور، المناضل الاجتماعي، ‘’بالحســـــــــــــــــــــــن” الذي يعرفه أهل درب السلطان بزقة ملوية ،والذي حصل له ولنا شرف تقديم الواجب للشهيد عبدالله الحداوي .
مات الصديق العزيز عبدالنبي، يوم داهمه الموت المتسربل في سيارة غادرة وهو يتأبط حروف الهجاء ، ويمسك في راحتيه حافظة أقلام متهالكة، ليوزع واجبه المهني على نفر من صبية هذا الوطن، الذي لا يملك منه إلا بطاقة للتعريف قيل أنها وطنية، ورقما للتأجير لا ينفع الأحياء منا في توفير كفن للدفن ،ولا في رد غائلة الجوع في يوم ذي مسغبة .
مات عبدالرزاق ، مات البشير ، مات السي أحمد الحمزاوي الذي استهوته أجواء افريقيا ،وغدا مداوما على السمر في جوفها حتى الهزيع الأخير من الليل ،قارئا لشعر السياب ، ومشاركا في نقاش الرأسمال ، ونديما في العبير المعتق من الدرجة الصفر ، وباحثا عن وجود الله في كتابات الأخضر عفيف ، وصادق جلال العظم.
ماتت الوالدة ، رفيقتنا المهاجرة قسرا ، ماتت التي وزعت اسمها على الأطفال لينشدوه ويتربوا على ذكراه .