أذكر أنه في العاشر من شهر حزيران/يونيو، من عام ثلاث وثمانين وتسعمائة وألف ، وبينما ـ نحن نشامى الحي ـ جالسون نجتر بطولات الطبيب الثائر “إرنستو تشي غيفارا” ومغامرات الجنرال “جياب ” و” لين بياو” في حرب العصابات، ونردد مقاطع من أغاني المغني الشيلي الثائر “فيكتور خارا“، غير عابئين بحمى الانتخابات التي كانت إحدى فصولها الهزلية في مغرب الاستبداد المطلق ، تشخص حية أمام أنظارنا خلال الانتخابات الجماعية. .بينما نحن على تلك الحال من “الثورية” والحماس ، والتعويل الحالم على انتفاضة البروليتاريا ،التي ستخلصنا من هذا الشقاء الاجتماعي والعذاب السياسي ، الذي جثم على صدورنا لثلاثة قرون في أربعة عشر قرنا، إذا بسيارة الأمن ،تقبل في سرعة جنونية ، يكبح إثرها السائق عنانها في مشهد هوليودي مثير ، ليقفز من جوفها عميد الأمن “البدين” ،بخلقته البدينة ،التي تحتل مساحة مهمة في بذلته الرياضية ، يتأبط الشر تحت ذراعيه ،والغل بين ضلوعه ،والسادية في جوارحه . يحمل في يمناه “زرواطة ” متوحشة ،ليست من سلالة “الزريوطات” المصنعة ذات المقابض اللولبية والقلادة المدلاة. وفي حالة من الهستريا ، شرع يحصد الأعناق والسيقان والمؤخرات ، والعباد يهرعون في ذعر شديد من حالة الاستثناء هاته، التي فرضها عميد الأمن في عز الهاجرة دون سبب أومبرر، اللهم ما كانت توفره الديمقراطية الحسنية من غطاء وشرعية لكل أشكال التنكيل بالناس ،يستوي في ذلك من يريد صعود الجبل ،أو من ينوي تشييد قواعد حمراء متحركة تحت نيران العدو،أو من يكتب بيتا من الشعر ، أو من يردد أغنية اسمها “ظروف” أو من يتجرأ ويحلم حلما خارجا عن الإجماع ، أو من يسير جنب الحائط صاغرا مطأطئ الرأس ، أو من يبحث عن رزقه في القمامة ، أو من يضع على خيشومه الكمامة !!!
مشهد رقم اثنين:
واصل عميد الأمن مطاردة الهاربين ،إلى أن وقعت بين يديه امرأة مسنة وضعيفة الحال ،غادرت بيتها لتشتري كيسا من الخميرة ، لتحضر فطيرة تقليدية للمجة المساء ، فأمسكها من شعرها بكل سفالة ، وشرع يستخلص منها واجبات عقوق المخزن من مؤخرتها ،وهي ترتعد وتستغيث وتقبل رجلي العميد الذي لم يزده استعطاف المرأة’ إلا غلظة وتوحشا.
مشهد رقم ثلاثة:
أما ـ نحن النشامى ـ فقد كنا نعتقد أننا محصنون بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وبمعرفتنا اليقينية بلا شرعية حالة حظر التجول التي أعلنها عميد الأمن في واضحة النهار ، وكأننا في غزة أو بيروت الحرب الأهلية .فلم نهرب كما هرب العباد، بل بقينا متسمرين في موقعنا نحتج ونندد بما اعتبرناه سلوكا همجيا مرفوضا. فانسحب العميد ومعاونوه، ظنا منا أن مشهد القمع قد انتهى، وأن المهمة خلصت. وما هي إلا لحظة وجيزة ، حتى أعاد الإغارة من جديد ،ولكن بدعم بشري أكثر ، وبزراويط أوحش وأعنف،وكنا ـ طبعا ـ نحن المستهدفين هذه المرة . تنبهنا لخطورة الموقف ، وألقينا بحقوق الإنسان واللاشرعية أرضا ، وأطلقنا أرجلنا تسابق الريح .
مشهد رقم أربعة:
اختار النشامى المحاور العمودية لأزقة إفريقيا ملجئا لفرارهم ، بينما لا أدري كيف قادتني “نشوة داخلية” إلى المحور الأفقي المكشوف الذي يسهل على من يسلكه أن يكون طريدة سهلة المنال في مثل هذه الظروف.شرعت أعدو بطاقاتي الطبيعية، مزودا بجرعة من “الضوباج” ، وعلى كتفي معطف طويل ، سرعان ما سقط من فرط العدو واللاتوازن. تركته لمطاردي ، وتابعت ركضي ، وسكان الحي من وراء الأبواب والنوافذ، يتابعون المشهد ، وينتظرون وقوعي مفعولا به لفعل الضرب المتعدي، للفاعل الظاهر، بآلة الضرب الجامدة والمشتقة.
لكزتني “النشوة”الداخلية ، فغيرت اتجاه مهربي ، حيث ابتلعتني ـ فجأة ـ ودون سابق تفكير ، أزقة إفريقيا الملتوية ، إلى أن أصبحت في منأى عن الخطر ، فاسترجعت أنفاسي ، وعدت الأدبار إلى منطلق الإغارة ، حيث وجدت أمي وإخوتي الصغار وأصدقائي الفارين ينتشلون معطفي من مستنقع آسن ،بعد أن ألقى به أحد رجال الشرطة “المخلصين” ومرمطه جيدا في مياه المستنقع ، حتى تعلقت بأهدابه الشراغيف والبعوض وكل حشرات الصيف .
مشهد أخير:
عدنا لمكاننا الأول ، وضحكنا ملء أشداقنا على الخطوات العملاقة لواحد من الفارين ، وأجمعنا على ما يتوفر عليه من إمكانيات هائلة في سباقات السرعة والقفز على الحواجز ،ترشحه للظفر بإحدى الميداليات في أولمبياد لوس أنجلوس ، الذي جرى في الصيف اللاحق . وضحكنا على المعطف الذي ناب عني في المرمطة والبهدلة، لو قدر لي ووقعت بين يدي ذاك العميد السادي.وسخرنا في تهكم شديد من هذا الانحطاط الأخلاقي ،الذي يدفع رجل “أمن” إلى الانتقام بطريقة مقززة ومقرفة من مجرد معطف لا هو من جلد النمرالافريقي ،ولا من فرو الدب الروسي.
بعد ذلك بساعات قليلة ، كان “المسلسل الديمقراطي المغربي” المزعوم ، يعيش على تدفق الليمون غزيرا، مدرارا، من حزب المعطي بوعبيد ، الذي أنجبته عيادة الوزير إدريس البصري صباحا دون عملية قيصرية ولا كسراوية ،ولكن بجراحة مغربية خالصة . ولما لم يفتح عينيه بعد ،”زررته ” خزينة المخزن ـ لتوه ـ بأكياس من المال الحلال جدا ، وأمدته بصناديق خشبية جاهزة، ليحشوها محترفو التزويرـ قبل بزوغ شمس يوم الاقتراع ، وقبل أن تفتح مكاتب التصويت أبوابها ـ بما لذ وطاب من الأصوات الجهورية ،والمبحوحة، والصامتة ،والمدفوع لها ، والمتوفاة أصحابها ،ليعتلي المرحوم المعطي بوعبيد مساء ذلك اليوم ، بوديوم التتويج .كما اعتلى ذات يوم من هذا القرن الواحد والعشرين جرار ، صمم هيكله وركبت أجزاء محركه في مختبر لصناعة الأحزاب ، وأمسك صانعوه بأداة للتحكم ، وتركوه يحرث الأرض بخيلاء . ولم تصده عن تحقيق المراد كاملا غيرمنقوص ، سوى رياح شرقية عصوف سموم ، اخترقت الحدود في يوم مقداره ألف سنة ،سمي تحت زغاريد النسوة ،وآهات الشبيبة ب :20 فبــراير، التي شلت ـ مع وقف التنفيذ ـ حركة الجرار ، ورفعت ـ مع وقف التنفيذ ـ من مقام اتجاه شعبوي ،كل رأسماله: لحية وسبحة، ومسك ، ودينار أسمر مدموغ على الجباه ، ومددت ـ مع وقف التنفيذ ـ أمد الشقاء الاجتماعي ، وألقت ـ مع وقف التنفيذ ـ بسؤال التغيير أو الإصلاح الحقيقي إلى الأجيال القادمة.وتبددت ـ مع وقف التنفيذ ـ أحلام الحركة بين ساع إلى الخلافة على منهاج النبوة ، وطامح إلى إقامة ديكتاتورية البروليتاريا ، ومتمسك بإصلاح لا يقبل بغير الملكية البرلمانية ـ كما هو متعارف عليها عالميا ـ بديلا.