بالأمس القريب كانت منطقة الرحامنة الجنوبية تعج بكل أنواع الحياة البشرية والحيوانية والنباتية مما أهلها آنذاك لتكون قبلة لكل باحث من الجوار عن فرصة في حياة أفضل سواء كان عربيا أو أمازيغيا ينحدر من الأطلس الكبير الأوسط المشرف على بلاد الرحامنة بقمم شامخة مكسوة بالثلوج الناصعة وهي واهبة الحياة للمنطقة .إذيشكل دوبان الثلوج عدة جداول وأنهار كلها تنساب لتصب في وادي تانسيفت مشكلة نهرا وافر المياه يقطع أثناء رحلته الطويلة المتجهة نحو شواطئ المحيط جزئا هاما من بلاد الرحامنة الجنوبية ويشكل الشريط الأخضر الوحيد بالمنطقة تتبعه قي رحلته دواوير منتشرة على طوله كأنها عقيق منظوم .ومن النهر تخرج سواقي تقليدية بناها الفلاحون وحفروا قنواتها بإثقان تهب الحياة للبساتين والحقول التي تمتد على طول النهر تغلب عليها حقول الرمان والزيتون تفصل بينها صفوف متراصة من القصب .يبدو المشهد من أعلى قمم الجبيلات الصخرية البنفسجية اللون هادئ وساكن إلا من شدو العصافير وثغاء الحملان الحديثة الولادة وصوت المعاول وغناء الحراثين بعدما أنعشهم سقوط المطر .ترقع نظرك الى السماء لتجدها زرقاء صافية لا يعكر صفوها إلا السحاب الذي يمر من حين لآخر وهو يصارع الشمس ليستحود على هذا المنظر الجميل أو عروض أسراب الزرزور وهي تلهو ذهابا وجيئة فوق مياه النهر المتدفقة .تستعد للرحيل بعدما انتهى موسم الزيتون تنظر إلى شمالك لترى إبداع الخالق على سفوح الجبيلات الصخرية : أعشاب متنوعة تتوجها زهور مختلفة الألوان ،تنتشر خلالها أغنام هي من أجود الأصناف بالمغرب وعلى السفوح القليلة الإنحدار تمتد حقول القمح والشعير وقد أوشكت سنابلها تخرج من أغمادها …يمر الربيع بسرعة ويأتي موسم الحصاد وجمع المحاصيل الذي يقترن بالعطلة الصيفية فتعرف المنطقة قدوم موجات بشرية كبيرة من الأقارب والأصدقاء ومعارف الأصدقاء .يقضون وأبنائهم عطلة مديدة يتمتعون فيها بكل ملذات الطبيعة المجانية وينهل أبنائهم من متع الحياة ورفاهيتها وهم يستحمون في النهر وسواقيه أو يركبون الدواب .وعندما تنتهي العطلة يغادرون المكان وهم محملون بزاد يكفيهم لشهور عدة :من قمح وزيت وسمن وعسل وغير ذلك .فالناس هناك كرماء جدا لآن البلدة أكرم منهم وهي التي علمتهم الكرم والسخاء …اليوم تبدلت الأشياء والمسميات وانقلبت الأوضاع في أبشع انقلاباتها …لم تعد أرياف الرحامنة الجنوبية مرحابا كما كانت ولم تعد الأرض معطاء ،جفت منابع النهر العظيم وسواقيه وذبلت الحقول ويبست واحتطب الناس أشجارهم المقدسة واختفت الطيور وهاجر أغلب الأهالي ولم يبق إلا القليل .بقي رجال ونساء يئبون الرحيل .ضحوا بكل شيء جميل يملكونه لكي لا تموت أشجار الزيتون .حفروا الأبار بتكلفة أغلى بكثير مما سيجنونه من وراء ذلك .تم توالت سنوات الجفاف وجفت أغلب الأبار ولم يبق إلا القليل ،أصبح منظر البلدة قاتما ومظلما وأصبحت المنازل الطينية الشاسعة شبه فارغة إلا من العجزة وبعض الصبية أصبح مربط الفرس مربطا لحمار منهك القوى ومخازن المؤن من طيبات الأرض من عسل وزيت وزيتون وقمح ودرة وغيرها أصبحت مقبرة لأدوات لم تعد تؤدي مهماتها تتهالك على بعضها مغبرة وقد تشابكت عليها خيوط العنكبوت .حتى كلب الصيد الذي كان يجري في كل الإتجاهات ويشق بصدره المنضود حقول البرسيم والجزر بحثا عن طيور الحجل والسمان والأرانب أصيح عاجزا كثير النوم ينتقل طول النهار بين أسوار المنزل المتهالكة بحثا عن الظل ,متلهفا ليجود عليه الصبية بكسيرات الخبز الحافي وهم متوجهون إلى المدرسة ,أو منتظرا سيده أن يقضي حاجته في جنينة الصبار ليتخد من ذلك وجبة إضافية …توالت سنوات الجفاف وفر الجبناء تباعا وبقي هناك رجال يحيون من أجل هذه الأرض .يحبونها حبا لا مثيل له ،هاجر ألأبناء والأحفاد بحثا من لقمة العيش وبقي هناك رجال لا يريدون الرحيل .ينتظرون بفارغ الصبر أن يبعث الله البلدة من جديد وكلهم أمل في استعادة ذلك التاريخ الذي لا تزال آثاره توقض فيهم نار الحنين …لم يعد الزوار يشدون رحالهم كما كانوا ،نسوا كل جميل وتجاهلوه .لم يعودوا يتذكرون عندما كانوا صغارا كيف كان ذلك الشيخ البدوي الكريم إلى حد السداجة يحمل سكينه ويقتحم زريبته لينحر أحسن فحوله على شرف الضيوف القادمين من المدينة .ماعاد النبش في الذاكرة ينفع بل أصبح النسيان والتنكر هما المسيطران .أصبحت نظرات الإحتقار والإزدراء تلاحق هذا البدوي الذي كان كريما جوادا حيث ما حل وارتحل .نظرات ازدراء من أهله واقاربه المتمدنين حديثا .بل حتى من رعاع كانوا يعملون في حقوله أيام الخير الخوالي ,هاجروا الى المدينة وأصبح وضعهم المادي أحسن من وضعه .هدا الفلاح الدي اصيح ينهر ويحرم من حقوقه في المرافق العمومية من طرف موظفين يشمئزون منه لأنهم يرون فيه نسخة طبق الأصل لآبائهم وأجدادهم .من يا ترى ينصف هؤلاء الفلاحين البسطاء الأكثر وطنية من غيرهم ؟ فالمجتمع المدني والمنتخبون يحشرونهم كالأغنام في حملات للتطبيب المجاني أو لتوزيع الدقيق المدعم . والسلطة تحشرهم في طوابير لا انسانية من أجل ترقيمهم في بطائق التعريف الوطنية لتسهيل تسجيلهم في اللوائح الإنتخابية . الله وحده ينقدهم كلما ضاقت بهم الدنيا بما رحبت .وينزل عليهم غيثه النافع ويخرجهم من الظلمات إلى النور .
ولاتقنطوا من رحمةالله
ورغم انني كنت ولدت في الرباط ودرست فيه الى غاية حصولي على دكتوراه ومنصب اداري ممتاز الا انني لازلت اتذكر جدي(اب والدتي)كيف كان يرحب بنا بذبح الخروف ونفس الامر بالنسبة لاقاربنا وسكان دوار حد راس العين وحرارةضيافتهم ولازلت اذهب الى المنطقة مرة على الاقل كل شهر رفقة ابنائي الذين يحبون ذلك المكان في الرحامنة الجنوبية،واسمحوا لي بان اقول لكم بان الوضع لم يصل الى هذا الوصف واقول للذين يفرون من المنطقة بان هناك اناس يتلهفون لشراء ولو اقل من هكتار ارض ليستقروا فيه فرارا من المدنية الزائفة.
ان الامر يحتاج الى شيء من الصبر مع البحث عن بدائل فلاحية ونشاطات إضافية مدرة للربح وارفع اشخاصا اصبحوا يتفاودون على المنطقة وقد حققوا نجاحات تجارية
السلام عليكم
أحسنت الوصف، لقد ذكرتني بالماضي الجميل، أيام العز و الكرامة، أما الآن فقد سلب كل شيئ، و أصبح من الصعب إعادة الحياة إلى تلك الجنان، و حتى إن عادت فإن الناس غير الناس.
شكرا على مقالاتك القيمة
ولاتقنطوا من رحمةالله
ورغم انني كنت ولدت في الرباط ودرست فيه الى غاية حصولي على دكتوراه ومنصب اداري ممتاز الا انني لازلت اتذكر جدي(اب والدتي)كيف كان يرحب بنا بذبح الخروف ونفس الامر بالنسبة لاقاربنا وسكان دوار حد راس العين وحرارةضيافتهم ولازلت اذهب الى المنطقة مرة على الاقل كل شهر رفقة ابنائي الذين يحبون ذلك المكان في الرحامنة الجنوبية،واسمحوا لي بان اقول لكم بان الوضع لم يصل الى هذا الوصف واقول للذين يفرون من المنطقة بان هناك اناس يتلهفون لشراء ولو اقل من هكتار ارض ليستقروا فيه فرارا من المدنية الزائفة.
ان الامر يحتاج الى شيء من الصبر مع البحث عن بدائل فلاحية ونشاطات إضافية مدرة للربح وارفع اشخاصا اصبحوا يتفاودون على المنطقة وقد حققوا نجاحات تجارية
السلام عليكم
Bravo un article trés touchant félicitation en ai fiere de toi
أحسنت الوصف، لقد ذكرتني بالماضي الجميل، أيام العز و الكرامة، أما الآن فقد سلب كل شيئ، و أصبح من الصعب إعادة الحياة إلى تلك الجنان، و حتى إن عادت فإن الناس غير الناس.
شكرا على مقالاتك القيمة