(1) مفهوم العَلمانية في القواميس الغربية.
بوجمعة حدوش.
العَلمانية كما هو معروف ظهرت في الغرب بفعل مجموعة من الظروف والعوامل التي أدّت إلى نشأتها وتطورها، كما سنرى في هذا البحث. لذلك فإن هذا المصطلح لا بد عند تعريفه من الرجوع إلى مصادره الأصلية في القواميس والمعاجم الغربية.
“لذلك فإن الإشكالية الأولى التي تواجه باحث موضوع العلمانية هو تعريف الكلمة ذاته وترجع صعوبة التعريف إلى ما مر به مفهوم العلمانية من تطور تاريخي، هذا إضافة إلى تأثر المفهوم بالإنجازات الأيديولوجية و السياسية التي تحاول تحديد تعريف مصطلح العلمانية بما يتوافق مع غاياتها المستهدفة في صراعاتها الواقعية.”[1]
“فالسؤال، ما هي العلمانية؟ سؤال قصير، لكنه في حاجة إلى جواب طويل، واضح وصريح، ومن الأهمية بمكان أن يعرف المسلمون جوابا صحيحا لهذا السؤال، وقد كُتبت ـ بحمد الله ـ عدة كُتب في هذا المجال، وما علينا إلا أن نعلم فنعمل.
نعود إلى جوانب سؤالنا، ولن نتعب في العثور على الجواب الصحيح، فقد كفتنا القواميس المؤلفة في البلاد الغربية، التي نشأت فيها العَلمانية، مؤنة البحث والتنقيب.”[2]
“لفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة( secularizm) في الإنجليزية، أو (secularite ) بالفرنسية، وهي كلمة لا صلة لها بلفظ ” العلم” ومشتقاته على الإطلاق.
فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (cientismss) والنسبة إلى العلم هي (cientifics) أو (scientifique) في الفرنسية.
ثم إن زيادة الألف والنون غير قياسية في اللغة العربية، أو في الإسم المنسوب، وإنما جاءت سماعا ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: “روحاني، جسماني، نوراني…”
والترجمة الصحيحة للكلمة هي “اللادينية” أو “الدنيوية” لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد”.[3]
“وإنما ترجمت الكلمة الأجنبية بهذا اللفظ “العلمانية” لأن الذين تولوا الترجمة، لم يفهموا من كلمتي “الدين” و “العلم” إلا ما يفهمه الغربي المسيحي منها، والدين والعلم في مفهوم الإنسان الغربي، متضادان متعارضان، فما يكون دينا لا يكون علميا، وما يكون علميا لا يكون دينا، فالعلم والعقل يقعان في مقابل الدين، والعلمانية والعقلانية في الصف المضاد للدين.”[4]
“وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة.
تقول دائرة المعارف البريطانية مادة (secularism) :”هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الإهتمام بالأخرة إلى الإهتمام بهذه الدنيا وحدها”.”[5]
“ودائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:
ــ إلحاد نظري.
ــ إلحاد عملي، وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي.”[6]
“ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ال(secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة.
وظل الإتجاه إلى (secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية.
ويقول معجم أكسفورد شرحا لكلمة (secular):
1ــ دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا: مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.
2ــ الرأي الذي يقول أنه لا ينبغي أن يكون الدين أساس للأخلاق والتربية.
ويقول “المعجم الدولي الثالث الجديد”مادة:(secularism):
“اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الإعتبارات الدينية يجب ألا تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الإعتبارات استبعادا مقصودا، فهي تعني مثلا “السياسة اللادينية البحتة في الحكومة”.
“وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسَّس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الإجتماعي دون النظر إلى الدين”.”[7]
“ويقول قاموس “العالم الجديد” لوبستر، شرحا للمادة نفسها:
1ــ الروح الدنيوية، أو الإتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك، وعلى الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات (practiees) يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة.
2ــ الإعتقاد بأن الدين والشؤون الكنسية لا دخل لها في شؤون الدولة وخاصة التربية العامة.”[8]
“ويضع معجم وبستر التعريفات التالية:
1ــ علماني (secular) مهتم بالزمني( tomporal)، بهذا العالم بدلا من الدين، مُدنَّس (profane) في مقابل المقدّس (الديني). علماني: لا علاقة له بأي تنظيم ديني…
2ــ العلمانية (secularism): هي العقيدة التي ترى إبعاد الدين عن الدولة والتعليم والأخلاق، وأن تكون جميعها مستقلة وبعيدة عن تأثير الكنيسة والمؤسسات الدينية.
3ــ علماني إنساني (secular humanist): وهي العقيدة التي ترى أن الإنسان العاقل يرى أن العقل هو مصدر خلاصه لا الدين، وبالتالي رفض كل الغيبيات وماراء الطبيعة.
4ــ العلمنة ( seculrity): الحالة التي يصير الفرد أو المجتمع علمانيا بعيدا عن التحكم الكنيسة والدين، ومنها الفعل: يُعلمن (secularise)، أي يحول الشخص أو المجتمع إلى العقيدة العلمانية، وذلك بأن تتحكم الدولة (المجتمع) بدلا من الكنيسة في حياة الناس ومصائرهم.”[9]
وبعد عرضنا لتعريف كلمة (secularism) ومشتقاتها في المعاجم والقواميس الأجنبية، فلابد من الإشارة إلى أن “مصطلح (سيكولار secular) استخدم لأول مرة مع توقيع صلح وستلفاليا (عام 1648) ــ الذي أنهى أتون الحرب الدينية المندلعة في أوروبا ــ وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة (أي الدولة العلمانية) مشيرا إلى “علمنة” ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية أي لسلطة الدولة المدنية، وقد اتّسع المجال الدلالي للكلمة على يد جون هوليوك (1817ــ 1906) الذي عرّف العلمانية بأنها: “الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض”.”
[10]
مقتطف من بحثي الجامعي: “العَلمانية وآثارها في المجتمع المغربي”
https://www.facebook.com/hadouchboujamaa
[1] حقيقة العلمانية والصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، محمد إبراهيم مبروك، ج: 2 ، ص: 5، ط: دار التوزيع والنشر
[2] العلمانية وثمارها الخبيثة، الشيخ عبد الله بن عبد الرحمان الجبرين، ص: 6 ، ط: الأولى جمادى الأول 1411
[3] العلمانية، د. سفر بن عبد الرحمان الحوالي، ص: 21، ط: دار الهجرة
[4] الإسلام والعلمانية وجها لوجه، د. يوسف القرضاوي، ً: 49، ط: الرابعة 1422 هـ /2011م
[5] العلمانية، د. سفر بن عبد الرحمان حوالي، ص: 22
[6] العلمانية وثمارها الخبيثة، ص: 7
[7] العلمانية، د. سفر بن عبد الرحمان حوالي، ص: 23
[8] نفس المصدر، ص: 22
[9] العلمانية، جذورها وأصولها، د.محمد علي البار، ص: 27، ط: الأولى 1429/2008
[10] التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الكريم، منى محمد بهي الدين الشافعي، ً: 43، ط: الأولى 1429، دار اليسر

