حينما يتحول المال العام إلى وسيلة للمقايضة تفسد القيم ويموت الاختلاف “ابن جرير” نموذجا .

1

 SABRI

لا أعرف من أين أبدأ ؟ ومع من نحن ؟ وكيف سنواجه هذا الواقع ؟  أسئلة لا جواب عليها ، في بيئة أصبحت موبوءة بالكثير من العبث الذي لم يحدث مثله في كل الدنيا ، إننا نكتب ، ومع ذلك فنحن مصرين على أن تستمر الكتابة تنتفض على المفاهيم التي حولت من مدينة إلى مجرد أرقام مالية ومبالغ وولاء وموت في سبيل أن ينعم الناس بمال أو بركة أو مرضاة سدنة حزب بعينه ، نكتب حينما  وجدنا أنه لم يبقى للإنسان معنى  ، حينما نرى كل شيء يتشبه بالمروءة وهو أبعد عنها ، نكتب حينما تستفيق فتجد من أمسى “مؤمنا” بالأمس ، أصبح غير الذي فارقته عليه ، وهكذا دوليك ، لعبت السياسة بلا منطق بالعقول وبالقلوب ولم يعد يؤتمن شر الأيام القادمة .

غير اليوم ولسنين كانت مدينة ابن جرير في انتظار من يأخذ بيدها إلى بر الأمان ، كانت  غارقة في العدم والفقر والبداوة ، كان كل شيء يختصر في شارع  محمد الخامس ، كانت هناك وعلى ضفافه وحرماته تنبت مزارع السياسة والمال والأعمال والأعيان ، كانت ابن جرير هي شارع محمد الخامس ، كان الكل قد ضاق بمشيئة القدر بين من يملكون أمر الناس في هذه المدينة ، كانت الأكثرية من المعذبين في الأرض تبحث عن الانتصار لنفسها ، كان العدم قد طفق يقتل الإنسان بابن جرير ، كانت معاول السياسة والأحزاب والتعددية تهيمن على المجالس ” الغير منتخبة ” ، وكان المواطن يقتص منه ومن أبنائه ومن مستقبلهم وأضحت ابن جرير خارج نصوص التاريخ زمنا طويلا .

يجب أن نتحدث بكل جرأة ، ونعلن أننا في الأسفل دائما وأبدا ، وهو الخيط الناظم بين الأمس واليوم  حتى مع مجيء ” الإنقاذ ” ،لأننا كنا دائما لا نمتلك قيم التغيير ،ولا نمتلك قيم الاختلاف ، التي تسمح بالإنتاج والتنوع ، كانت ابن جرير ولا زالت هي هي  ، حتى مع مجيء الجرار، وولاء تلك الأكثرية للجرار ، وتدبير هذا الجرار ، فالوضع زاد سوءا والإنسان زاد اختفاءا ، نحن اليوم بابن جرير مجرد أرقام للدعم ، مجرد كيانات لا تصلح سوى للمقايضة ، دعم ومال وجمعيات ومجتمع مدني يأخذ بحسب ولاءه ، ومن يبتغي غير البام فلسفة فهو من الآثمين ، ضاع الجوهر وفسدت القيم التي كان البنجريريون يوما يتمنون أن يأتي من يصلحها فيهم ، لا ، قد زاد الوضع اليوم عن حده ، تغيب عن الرجل لحظة فتجده قد ارتد بعد يقينك في عزائمه بالأمس ، وتفارق المرء في المساء وبفلق الصبح تراه شيئا أخر ، إنها القيامة يحدثها اليوم المال العام الذي حول من رجال كنا نحسبهم على غير البشر ، إلى أشباه “كراكيز ”  ، وحول من هيئات ومنظمات ووجوه إلى نهاية موجعة جدا .

لا أفهم لماذا حظ ابن جرير عثر إلى هذه المسافة ، لست بمعرض الحديث منتقما أو ماشابه ، ولا أخص بالذكر المقارنة الميدانية والمجالية أو الترابية  ” البنيان ” ، لا  لا، فمجموعة ناس الغيوان حينما تحدثت عن الإنسان أولته الأهمية حتى قالت  ” ما هموني غير الرجال إلى ضاعو وما لحيوط إلى رابو كل يبني دارو  ” مات ، واندثر مفهوم الإنسان في أكبر تجربة سياسية عول ويعول عليها الرحامنة بعد زمن القايد العيادي وأبناءه ” خلفانه ”  . ومع ذلك فإننا نرزح يوميا وبطريقة تلقائية إلى الابتعاد عن جوهر الإنسان المشدود والمسنود بقيم المواطنة وقيم الاختلاف والطهرانية .

للأسف غلبت المقايضة على نبل الإنسان بابن جرير و على يومياته ،  وتحولت نساء محترمات متعلمات وشريفات وعفيفات ، ورجال ومثقفون وغيرهم إلى تلمس الرحمة في تجربة سياسية يريدون الموت فيها ومعها  اليوم قبل الغذ ، دون أن يدركوا ما المانع من فهم الموضوع أولا ، إنه الولاء الصريح وبالإجماع المفرغ من الثقافة والفكر وسيادة روح العصر  ، فالمقايضة بالإرث الشخصي  للكثيرين اليوم مقابل إرضاء تجربة سياسية لم تعمل في مقارباتها على بناء الإنسان والتعامل معه بطريقة ديمقراطية تؤمن بالاختلاف بلا شوفينية أو ديكتاتورية يصبح عديم الجدوى إذا فكرنا جيدا ، إنهم يفقدون كثيرا من المساحة أولئك الذين يبيعون ويشترون في أنفسهم وأهلهم ، يبيعون كرامتهم و ضمائرهم  مقابل مال يغدق عليهم ولا يعرفون الثمن الذي يدفعون مقابله، مع أن المال العام للجميع ، كان المفروض انتزاعه بالجرأة وبالقانون وفي إطاره ، ومن دون تمسح يفوق تمسح الأضرحة والسادة .

علينا أن نفهم أننا بهذه الطريقة التي يستعرض فيها حزب الجرار نفسه ويسوق برنامجه ومشاريعه بدون ترك الأخر القدرة على التعبئة إن معه أو ضده ، سيكون الوضع سيئا في المستقبل ، وسنكون مضطرين إلى القول بأن هذا الحزب نفسه قد فوت على نفسه ثورة ثقافية أخلاقية يسترجع بها أفول الإنسان الرحماني منذ عصور وتحسب له، وعليه سيكون مسموحا يومها عند فوات الأوان أن نحكم قولا بأن الجرار مثله مثل من مروا من هنا بلا ذكرى وبلا حنين إلى بعثهم وإحيائهم من جديد.

قد يعجبك ايضا
تعليق 1
  1. Abdelhalim Abdelbaki يقول

    لا فض فوك. لقد ضاعت القيم والأخلاق في زمن الغاية تبرر الوسيلة.
    ورحم الله الشاعر إذ يقول

    إنما الأمماالأخلاق مابقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

    وشكرا بلاد برس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.