كنا في مرة فائتة قد اشرنا إلى ميلاد كثلة سياسية قادمة تحمل بين طياتها الكثير من إرهاصات المستقبل المثقل بالكثير من المفاجئات ، وكنا قد أطنبنا في التحليل بين مقامات تلك الكثلة وبين قوة الجرار ، واليوم ارتأينا تسميتها حلف الفضول في مقابل هوامير الجرار ، ليس منا كل ذلك إلا تنوير الرأي العام ،بأن هذا الحلف قد بدأ يشتد عوده وللمرة ربما الثالثة اجتمع كما اجتمع يوما حلف الفضول ، وعليه وحتى يستقيم ما قصدناه بحلف الفضول ، ذلك الحلف التاريخي الذي ذكره ابن اسحق في السيرة وابن كثير والقرطبي في تفسيره ” عندما اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان – لشرفه ونسبه – فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا وقاموا معه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف بحلف الفضول .
قد يجد القارئ أنه ثمة هناك مسافة بين حلف فضول زمن قريش وهذا الذي ارتأينا تسميته بحلف الفضول ، لكن أوجه التشابه كثيرة وللقارئ استنتاج تلك الأوجه ، المهم أن ابن جرير اليوم عازم فيها من هو عازم من أحزاب : الأحرار والاستقلال والحركة الشعبية في انتظار التحاق باقي الأطياف والتحاق حزب العدالة والتنمية وما فيه من الأوزان البشرية لمواجهة هوامير الجرار . المنافسة مشروعة شرعها القانون ، وحلف الفضول يملك من الإمكانيات ما يملك ، فيه أصوات ذات مصداقية كبيرة بين الناس ، وفيه – رحمانيون – لهم باع في السياسة وفيه من المقدرات التي جعلت مفتي الجرار يقبل ببعضها على مضض في الانتخابات الجماعية الماضية ، وكلنا نعلم أنه لولا الهمة لكان ما كان ، وسمات هذا الحلف بالتحديد هي نفس سمات حلف فضول قريش ، هو الانتماء التاريخي لقبيلة الرحامنة وتلك سمة المجتمعين بدار عبد الله بن جدعان ، وفيه من المشترك أن ابن جدعان كان من أشرفهم ، وحلف فضول الرحامنة يجتمع بدار من ديار الشرف بالرحامنة ، وفيه التعاقد والتعاهد بنفس تعاقد حلف فضول قريش ، بقي الخلاف هل سيكون بنفس درجة وعي حلف فضول قريش ، أن يكون حلفا من أجل رفع الظلم عن الناس هنا بهذا الإقليم وفي هذه المناسبة .
لا نستطيع البرهنة على ذلك ، المهم الأيام القادمة قادرة وحدها على إعطاء الجواب حينما يكون جاهزا هذا الحلف على إخراج برنامجه و حينما تعلن الانتخابات موعدها ، لكن لا بد من الإشارة أن الأسماء التي صارت ضمن هذا الحلف تملك من الكاريزما والحظوظ الكثير ،وتملك من القدرة وأدوات التكيف ما لم يتوفر في كل العصور السياسية بابن جرير . ترى هل سيستطيع الفاعل السياسي الحالي أو الهوامير الباميون تجاوز قدرات حلف الفضول الجديد، لا نعلم ؟ وهل بإمكان المخزن بما تيسر له من ضبط الإيقاع أن يسمح ببروز حلف في زمن ربما غير مسموح ولادة تحالفات بهذا الشكل ؟ وهل سيكون قادرا هذا الحلف الاستمرار بعهده ووفاء المنتسبين إليه حينما تبدأ رحى الانتخابات تجر فلان من هنا إلى هناك ؟ وهل لحلف الفضول عقيدة قوية تتناسب مع طبيعة تكوينه المختلفة المشارب والأطياف في بيئة لم يعد سهلا فيها ربح رهان الانتخابات ؟
بقي شيء مهم ، وهو أن حلف الفضول يملك نبلاءه مالا كثيرا يمكن أن يلعب دورا كبيرا بنفس درجة ” “بيلربيات” وهوامير الجرار ، ويستفيد من آلية للتواصل يتوفر عليها بعض من أفراده ، وقدرة على التعبئة وانتصار إعلامي هو ما لا يتوفر في التجربة الحالية أو يكاد ينعدم فيها وهو بالنهاية فناءها وسمها المدسوس في نهاية الطريق .