في هذا الشهر الكريم أسدل الستار عن مرحلة في تاريخ العرب وبداية تاريخ جديد ، تاريخ الإسلام ، تاريخ الرسالة المحمدية المطبوعة بطباع الخير كله وضد الشرفي أصله وفصله ، في هذا لشهر الكريم نزلت الآيات تباعا على رسول الله المصطفى صلوات الله عليه وسلامه ، فيها من التشريع الكثير ، فيها حاضر الأمة ومستقبلها وماضي البشرية على اختلاف طقوسه ، كان محمد الهادي المهدي نباراسا لتاريخ جديد بدأ من يثرب وشاع نوره في كل الأرجاء .
والمناسبة هذه ، اقتربت جريدة بلاد بريس من العابرين إلى المساجد ومن الذاهبين إليها والمغادرين لها في أمسية رمضانية لبس الناس فيها الأبيض من اللباس ، والبياض دليل على الصفاء والنقاء والطهارة ، كلهم يريدون مساجد الله، يريدون ذكر الله، والاستماع إلى آياته وتدبرها ، مساجد مدينة ابن جرير أعادت الكرة مرة أخرى وقصدها المؤمنون من كل حدب وصوب ، تزلفا إلى العلي جلت قدرته تبيانا منهم لعظمته ورغبة منهم في أن تصلهم نفحات القران الذي يتلى بين مسامعهم ، ومساء البارحة قصدنا واحدا من الباحات الكبرى والفسيحة لنصرة دين الله جامع الراضي ، تلك المعلمة التي يعود تاريخها إلى ثمانينيات القرن الماضي ، والتي باتت معلمة مركزية في قلب مدينة ابن جرير ، تهفو إليها أفئدة المصلين كل يوم وكل عام ورمضان خلاف كل الأيام .
سعيد أحد من التقنهم عدسة بلاد بريس ، سألناه حول ما يمكن أن يقوله لنا بمناسبة شهر الصيام ، سعيد اعتبر المناسبة عظيمة وكبيرة وتتطلب الصبر بالنهار على الجوع والعطش ،وتتطلب بحسب تعبيره صبرا على العبادة آناء الليل ، هذا الرجل لم يخفي إعجابه بحفاوة هذا الشهر الذي استقام فيه الجميع وتمنى أن تكون حياة العباد كما في رمضان .
عبد الكبير الرمضاني هو الأخر واحد ممن التقيناهم خارج لتوه من المسجد ، عبد الكبير تحدث إلينا عن شعوره بالراحة والطمأنينة وفرحه برمضان ، الذي وبحسب كلامه أشفاه من أسقام السيجارة وشرب الكحول ومده الله فيه بالصبر على كل البلاوي ، عبد الكبير حيره أمر بعض المصلين … الذين غير الله بهم من زمان ومكان إلى فضاء الله الرحب الواسع ، ابتسم وهو يتحدث عن من يعرفهم شديد المعرفة، فإذا به كلما التفت عن اليمين والشمال لحظات السلام إلا ووجدهم على نفس الحال ، وتمنى للجميع توبة نصوحة وبقاءا في ما اعتبره ” تقوى الله ” وعلى الدوام .
في رمضان وجدنا الاقتراب من النساء صعب جدا ،ولأن طاقم البرنامج ليس فيه نساء فإننا لاحظنا ارتفاع عدد المريدات إلى بيوت الله ،وارتفاع عددهن بمسجد الراضي ومساجد الأحياء الأخرى ، ظاهرة ترتبط برمضان فقط حينما يصاحب الكثير من الرجال زوجاتهم وأبنائهم لتأدية الصلاة في المسجد عكس باقي الأيام، أو بالأحرى القيام والركوع والجلوس بين يدي الله في صلاة التراويح ، التراويح التي يأتيها الناس فرادا وجماعات بلا مقابل من أحد ، وبلا أحزاب وبلا إشهار على التلفازات، بل يأتونها وقد امتلأت القلوب حنينا وحبا غير مجبول على منفعة دنيوية تنقضي في يوم ، وإنما على منافع في الدنيا والآخرة لا ينقضي أجرها والعمل بها إلى اليوم القيامة .
عيسى المامون التيقناه على مقربة من المسجد كذلك ومعه أبناء ه، سألناه عن الغاية من جلب هؤلاء الأطفال إلى بيت الله خلال صلاة التراويح ، عيسى أبدى امتعاضه بعض الشيء من السؤال، وفسر الأمر على أنه تعليم لهم قبل الدخول فيما اسماها وهو يبتسم مرحلة ” لعصا ” ،انطلاقا من حديث رسول الله “ص ” حول تعليم الصلاة إلى الأبناء في سن السابعة وضربهم في العاشرة إن تخلفوا عن القيام بها ، كان الأب ينظر إلى أطفاله وهم يبتسمون على غراره .
فارقناهم جميعا إيذانا بأن مساجد الله قد طوت يوما وزعت فيه الرحمة والتواب ،وانتهى في العد يوما من أيام الله ، إلى حين لقاء أخر في يوم أخر مع مآذن الله ومساجد تهلل وتؤدن فيها أصوات قد قبلت طواعية رفع ذكر الله على الأرض بلا انقطاع إلى يوم الدين .