سوف لن أحفر عميقا في التاريخ ، لأنه تاريخ عميق أعمق بكثير ولو بالحفر بكل آليات العالم للوصول إلى القليل من حالة المغاربة في منازل الزمن بهذا البلد .
طرحت السؤال راجيا الإجابة ، إجابة لم تتوفر لدي لحد الساعة ، وبين المنزلتين ” أغنياء – فقراء ” هناك من سيعترف بأن الدولة العميقة وجدت وتسع الجميع ” أغنياء وفقراء ” ،أولئك المنتشون بشغل جيد وكرامة واستحقاق وإمكانات كبرى . طبعا من حقهم أن يكونوا من الأوصياء على الأصل الأول أن الدولة ثابتة تخدم الجميع .
تم هناك الفقراء ، هم كثر غضبهم شديد ،حاجاتهم الملحة الأساسية كبيرة جدا ومعروفة منذ سنين ، هم من القائلين بأن المخزن أو الدولة العميقة وجدت من أجل الأغنياء ومن أجلهم فقط ، دليلهم لا يسع المجال لذكره ، على كل نعتقد أن المغاربة باتوا يعلمون مقاصد كل شيء وتفصيلا كل شيء .
البقاء ، بصرف النظر عن الوجهتين السابقتين معا ،هل استمرار المخزن أو الدولة العميقة أكثر انشغالا لدى الدولة من الأغنياء والفقراء وحاجاتهم ورغباتهم ، المدافعون عن هذا الطرح ينطلقون من الكثير من البراهين والأدلة ، يحللون معك تاريخا طويلا ، يستعملون لذلك كل الأدبيات والأفكار والمرجعيات ، فقها واشتراكية ورأسمالية وإلحادا من أجل أن يقنعوك بأن الدولة همها البقاء .
بتقديري للأشياء في الحالة المغربية ، وبنصوص التاريخ والمشاهدات حتى فيما عرفناه دروسا من يوم مغادرة المستعمر إلى بناء الدولة على أدبيات ” ليوطي “. نفهم أن الغاضبين ليسوا بالكاد هم غاضبون دائما ، فحينما تتحقق ” المكاسب ” مثار الغضب ، ينحاز الغاضبون إلى صف المنعم عليهم للدفاع عن دولة الأغنياء والريع والخلاص ، من الغاضبين والفقراء والمهشمين إلى الذاكرين لنعمة ” الدولة العميقة ” بسرعة ، ومنها إلى الدفاع عن البقاء لأن البقاء هو الأصلح بتقديرهم ، “سبحان الذي يغير ولا يتغير” ، والعكس بالعكس من صف الأغنياء حينما تحجب الدولة رحمتها ، أو حينما تغضب غضبها فترمي بمن ترمي بهم من بحبوحة العيش إلى الهاوية ، يصبح الغني غاضبا ناكثا للوضع مدافعا عن الدرك الأسفل الذي جاوره وصار منه ، فيتحول إلى غاضب ناقم يريد فناء الدولة لا بقائها من خلال احتجاجه اليومي ” ومونولوجك” المخدة ليلا وهو نائم .
إذن لا غضب مع السعة ولا فناء مع الغنى ، هي أحوال دوامها بدوام أحوالها ، إن خيرا فخيرا شاكرين ، وإن شرا بعد خير فشرا ذاكرين ، وإن خيرا بعده شر ناقمين .
هي حالة الناس بهذا البلد بالأساس ، قد يكون من أفنوا زهرة شبابهم منذ مطلع القرن العشرين في الحركة الوطنية وجيوب مناهضة الاستعمار ، أو من كانوا بين المنزلتين مخضرمين إلى حدود عودة ملك البلاد من منفاه ، أو أولئك الذين ضاقوا درعا وهم واتقين من أن المغرب عليه أن يتغير ليسع الجميع ، أو من ملئوا يوما سجون المغرب في سنوات للرصاص ، أو الذين تتلوهم بالعد إلى أخر معتقل من حركة 20 فبراير بسجون المملكة اليوم . قد يكون هؤلاء فقط من لا تسري عليهم أساليب ” البراغماتية ” في التحليل النفسي والحركي لجل المغاربة ، قد يكون هؤلاء أصدق الصادقين ، قد يكون هؤلاء الركن الرابع لا هم بالأغنياء ولا هم بالفقراء ولا هم مع الفناء ، هم والباقين بيننا قلة منهم ، فقط رجال من المغرب المشتتة أسمائهم على دفاتر تاريخ مطوي لا نعود إليه إلا لذكر ما نعتبره في باب أخطائهم قائلين “لكم كان فلان أو فلانة على خطأ، ولكم كان البيع وشراء الذمم سهل عليه كي يكون في بحبوحة العيش عوض سجون ومعتقلات قضوا فيها أو قضت معهم مهدمة محطمة كذلك “، ويضيفون على هذا التأويل القريب من الفتوة ” نراهم كانوا غير فاهمين للاستفادة وللانتفاع ” .
تلك هي خلاصة منازل المغاربة في نوازل السياسة والحكم والكرامة والبقاء وفي الغنى والفقر ، منازل معرفتها خير من جهلها في بلد قد يجهل عليك فيه الجاهلون ،حينما تتصيدك خطابات من تحسبهم رجالا لتراهم غدا ” يبيعون ” مقابل غنى يخرجهم من الفقر للوصول إلى ضفة البقاء ،والنظر إلى الضفة الأخرى إليك باستخفاف واستعلاء كنظر أغنياء ” التيتانيك ” إلى من هم على ظهرها من الفقراء الذين لم يجدوا متسعا لركوب قوارب النجاة حينما كانت تهوى بهم في الهاوية .