فلاش باك إلى الأزمة التي عاشتها قبيلة الرحامنة و التي يروي لنا عنها التاريخ كل المحن و المآسي و الشدائد التي تجرعها الأجداد و الآباء و الأمهات جراء قسوة الطبيعة و جبروت الاستعمار و تسلط المخزن و استعباد الأسياد للناس ….و بالرجوع إلى كل هذا التاريخ الذي يدون صفحات سوداء مكتوبة بحبر العسف و الاستبداد و الذي تحولت معه قبيلة الرحامنة إلى قبيلة ثائرة ، متمردة ضد الطغيان و الظلم و تحول معه أبناء الرحامنة الأشاوس إلى مجاهدين يقاومون كل أشكال الاستعمار و العمالة و الاستضعاف ، و كل القصاصات الواردة من قلب الرحامنة على امتداد التاريخ تؤكد على حساسية المخزن ضد قبيلة الثوار التي أصدرت وثيقة طلاق مع القوى الرجعية التي ظلت تعتبر أن رجال الرحامنة الأحرار متسيبين و مثيري الشغب و الفوضى … و المحصلة النهائية كانت إقصاء هذه القبيلة من كل المخططات التنموية التي شهدها المغرب الحديث ، و ما يذكر التاريخ الذي نقلته لنا بعض المراجع و المصادر ذات القيمة ، أن دار المخزن ظلت تعتبر ناس الرحامنة عصاة و بالعبارة الصريحة ” مساخيط مولاي عبد العزيز ” و النتيجة كذلك كانت في آخر المطاف هو هذا الزمن الطبيعي الذي أهدرنا فيه كل الفرص و المواعيد التي عقدها التاريخ مع بناء المغرب الحديث . و لعل لهذا التغييب عن أجندة التنمية و جداول أعمال البناء و التشييد الاستراتيجي لمقومات الدولة الديمقراطية ، وضعنا في المراتب الدنيا و في الدرك الأسفل و جعلنا نبكي حظنا العاثر مع ظلم ذوي القربى الأشد مضاضة و نأسف عن كل المحطات الضائعة .
و بعملية حسابية نستحضر كل الزمن الطبيعي و نستقرأ صفحاته التي تتعدى سبعة عقود على أبعد تقدير ، و التي تتجاوزها طاحونة الكلام لتصبح روايات سبعون عاما حديثا ذو شجون . و لكن الأثر الذي يخلفه الزمن النفسي و الذي يجمع حصاد كل التجارب السابقة ، يظل بمثابة الموجه و الدليل للجيل الثالث الذي مازال يعيش في رحم كل المتناقضات و التراكمات . فنحن اليوم نعتز بانتسابنا لثورة مضت و لعزة نفس و كبرياء الأولين ، كما تلازمنا كل الصور الانتقاصية لآدمية البشر و تطاردنا تلك النظرة الدونية حتى عقر أعماقنا و تستفزنا سطوة الغرباء على أرض طيبة دافع عنها أبناؤها الصناديد في زمن كانت فيه الكلمة الحرة جريمة لا تغتفر ، و في مرحلة أقبرت فيها كل الأماني و الأحلام و صار الموت في قبر الحياة أهون على العباد . فما أشبه اليوم بالبارحة ، و هنا أتكلم عن المغبونين الذين اختاروا سجن القبيلة عن المنفى في أرض الله الواسعة .
أحدس أن الأكثرية ساخطة على الوضع التي تعيش فيه الرحامنة و التي عششت فيها لوبيات الفساد و أغرقتها في أوحال مستنقع التخلف بكل تجلياته . و مما لا شك فيه أن هذا التقهقر في الزمن الطبيعي يخلف نكسة داخلية في الزمن النفسي الذي يرمي بنا إلى الانتحار في أحضان الكرامة ، و يدفعنا رأسا إلى ثورة موءودة لم تكتمل و فتح كل جبهات الصراع ضد جيوب مقاومة التغيير التي تصنع تاريخا نكرهه حتى النخاع!بحيث نلامس يوميا هذا الإبداع الذي تكلم عنه السيد فؤاد عالي الهمة ، إبداع في تصريف سياسات الإقصاء و تصفية الحسابات و التآمر على النخب و الأطر و المناضلين ، إبداع في صياغة القرار بهندسات لولبية و حلقات فارغة غير مفتوحة ، إبداع في تشكيل بياض في تجربة أضحت باهتة فقدت بريقها مع الغياب المزمن للرجل الأول في مملكة البام و في معقله السياسي الذي يتطلع إلى زلزال بأرض الرحامنة على غرار الزلزال الحسيمي الذي عصف برؤوس كبيرة عاتت فسادا في البلاد و العباد !!