نكتب يوميا عبر أمواج الخبر عن مدينة ليست كالمدن هادئة ، نرصد الوقائع و الحقائق و ننبش في الكواليس و نشتغل على فلاش باك تقلبات الصورة من أبيض و أسود إلى الألوان ، وثمة من لا يرى فيها سوى اللون الداكن و الرمادي و الزاهية المظللة , و التجربة الجماعية الحالية كسابقاتها ليست معزولة عن سياق الملاحقات الإعلامية ، كل التجارب مرت من مجهر الكتابة النقدية و عرفت شدا لحبل السياسة و الإعلام إلى حد انقطاع خطوط التماس و القطيعة . و الأمس ليس كاليوم كانت أيامه من زمن رصاص التنمية بحيث كانت ابن جرير ترزح تحت نير الهشاشة و كان الطابع القروي خصوصية عمرانية و معمارية و كانت البلدة عبارة عن تجمعات سكنية منفلتة و البدونة سمة و شيمة في الدرك الأسفل من جحيم البؤس و الفقر المذقع و مظاهر اجتماعية و قيم ثقافية من الزمن الغابر و الإنسان يشبه حي بن يقظان في كل شيء .
أمس بن جرير و إلى حدود سنة 1992 كان قرويا و مختصرا في خمسة أحياء رئيسية بلا إنارة عمومية و بلا تزفيت و مساكنه بالطين و سقوفه من قصب ، لا شوارع و لا تجزئات و التسوق مرة في الأسبوع من الثلاثاء إلى الثلاثاء … و لما تحولت إلى بلدية بمقدم فؤاد عالي الهمة عاشت حرب التحول و تدخل القصر لتهدئة الوضع و سرعان ما عادت ريم إلى عادتها القديمة مع مطلع سنة 1997 حينما انكسرت خاطر الهمة إبان الانتخابات الجماعية التي حملت الحركة الشعبية لكرسي الرئاسة و غدرت صناديق الاقتراع بأصدقاء صديق الأمير سيدي محمد ، و لم تنج تجربة الحاج محمد الشعيبي من الانتقاد فنصبت له الأفخاخ فوجد نفسه وراء القضبان و حل محله محمد العيادي مستفيدا من غرق سفينة الحركة الشعبية التي ظلت من الغابرين إلى حد الساعة .
محمد العيادي هو الآخر نال نصيبا كبيرا من وخز القلم الذي لم يكن سوى قلم كاتب المجلس الحالي عبد الرحمان البصري الذي تخصص في متابعة قضايا المحاكم المعروضة على أنظار العدالة المرفوعة من طرف المعارضة آنذاك التي حققت الرقم القياسي في الدعاوي و الشكايات أثمرت ثمانية و خمسين ملاحظة صادرة عن المجلس الجهوي للحسابات و ستة أشهر نافذة في واحدة من القضايا و المتابعات القضائية ، و خرج العيادي خائبا حينما دخل الهمة مرشحا للرئاسة و ظفر بها ” بالميسة ” التي وعد بها و فقأ العين حينما جاء بشيرا و نذيرا و مخلصا من ردة سياسية عمرت طويلا أنتجت بداية نزوح جماعي نحو المدن و ارتفاع مؤشرات الجريمة و انحطاط على مستوى كل المناحي .
التجربة الحالية استطاعت ، و هذا ما نستطيع أن نقوله بكل جرأة ، إخراج المدينة من ظلمات السياسة إلى نور التنمية ، نصف الكأس مملوءة بما قد يشهد به الناس من تغيير مشهود ناطق مترجم بلغة البنية التحتية و دبلجة المدينة الخضراء محمد السادس الدولية و مرافق سوسيوثقافية و رياضية و اجتماعية و لا فائدة من تكرار المكرر ، أما النصف الثانية الفارغة فما على الأحزاب السياسية و المنتقدون سوى ملأها بوضع اليد في ” العصيدة ” و الإبانة عن حنة اليد ” و ليس عن طريق مسح السماء ” بالليكة ” و تبني شعار الإنكار سيد الأدلة و خدمة مشروع واحد لا علاقة له بالتنمية هو مشروع تمييع الحياة السياسية و بعد ذلك طوفان المجالس الأخرى المتعاقبة .