الفاسفاط

0

 

علاقة ناس ابن جرير بالتراب الأصفر المستخرج من أراضيهم، علاقة نزع الملكية و مصادرة الحقوق و فرجة على قارعة السكة لنقل الثروة إلى موانئ التصدير إلى بلاد الشمال. ثم إن ناس ابن جرير استأنسوا مع واقع الإقصاء من سوق الشغل في قطاع احتله غزاة استنزاف التراب من باطن المدينة. و لأن الناس قبلوا بالاستغلال و بلا شروط و تحت ضغط أنها مؤسسة وطنية شريفة و ملامسة واقعها من المسكوت عنه و الطابوهات و خط أحمر، فإنهم عاشوا في عزلة قاتلة و على هامش التنمية و تحت عتبة الفقر و أقل من صفر الكرامة..

فشيد الفوسفاطيون قريتهم النموذجية بعيدا عن أحزمة البؤس و عن “بوزبال”، و عقدت المدينة زواجها الكاثوليكي مع البناء العشوائي و هجرة الجفاف و معاقرة عصير العنب و الجعة و النبيذ و ماء الحياة و العفاف و الكفاف و التسول الانتخابي..

لم يكن “الفاسفاط” كما سماه السكان الأولون لابن جرير منتجا للشغل و لا مصدرا للتنمية، بل شكل منذ ثمانينيات القرن الماضي ثروة خاصة و معينا لا ينضب للغنى و الثراء و التربح على حساب الفقراء. فظلت مدينة ابن جرير معبرا فقط لملايير الأطنان و للملايير من السنتيمات و قناة لتفريغ المكبوتات الجنسية و باحة للاستراحة.

و إلى حدود اليوم و حتى لما ضغط الهمة لإقناع إدارة الفوسفاط بضرورة الإنخراط في عملية التنمية، فإن الاختيار لم يكن مدينة ابن جرير القديمة بل امتد إلى الجوار و الضاحية لاستقبال البورجوازية و أبناء الأغنياء في المدينة الخضراء محمد السادس و البوليتكنيك. لتصارع الجماعة الحضرية بفائض المليار اليتيم أخطبوط التنمية لمدينة لن تتأهل بنياتها التحتية و الفوقية لا بأموال الدنيا و لا الآخرة، و لن يتأتى لها الزحف بسرعة حتى بعقد شراكات لا تغني و لا تسمن من جوع لأنك دائما أشبه ما تكون بالذي يسكب الماء على رمال الصحراء التي لا ينبث فيها إلا ما جادت به الأقدار الإلهية .

لقد وجد منجم الفوسفاط إذن بابن جرير ليكون قاطرة و رافدا و رافعة لأشياء لا علاقة لها بدواويرها و بفقرائها و مهمشيها و مستضعفيها. و لقد خلق الفوسفاط بابن جرير لتظل هذه الأخيرة حصنا و قلعة انتخابوية تعيد إنتاج نفس السياسات القائمة و تستورد تجار الشأن المحلي و المنعشين السياسيي !!

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.