السياسة والسياسوية بالرحامنة

0

عندما نزعت الثورة الفرنسية عن الفعل السياسي كل أصناف الرذيلة ، ومحت الخطيئة عن وجه أوروبا من وراء حدود النمسا غربا إلى المتوسط جنوبا ، لم يكن يعني قطعا أن الحقب الأوروبية في تاريخها الكلاسيكي كانت حقبا عفنة وسخة خاوية من المفاهيم والغايات والأهداف السياسية النبيلة التي تمجد الإنسان ، بل بالعكس كان نبلاء أوروبا وإقطاعيوها ولورداتها وباباواتها يتمتعون بالحس السياسي الكافي للعودة إلى أمجاد أثينا اليونانية ، ولم يكن تمة ما يدعو للقلق على مصير بلدان شاخ فيها الفعل السياسي المستنير .

بعد عام 1897 حصل هناك بفرنسا العبور السلس والمدوي إلى الديمقراطية وسط ملكيات عريقة ، وقوبل التحول بإيمان عظيم وطدته أفكار النهضة التي توالت تسقي الأجيال وراء الأجيال ، سكبت لهفة المهمشين التواقين إلى الحرية ترفرف عاليا نحو المدنية ، ولم يجد ذلك المواطن تلك الصعوبة في فهم ما عليه وما لديه ، وساعدته السياسة المتزنة للثوار المتسيسيين وليس “بالسياسويين” ، والبعيدة عن لغط المفاهيم المتقلبة عن مغزى أن يكون الشعب سعيدا .

واليوم تعيش بلدان العالم الثالث وتعيش ابن جرير الرحامنة التي يعجز اللسان في الغالب عن فهم نوايا (سياسييها) ، فهنا لم نعش ثورة ولن نعيش نهضة أو استعادة أمجاد ، وأي قول غير الذي قيل لن يكون سديدا . في ابن جرير كما المغرب لن نستطيع التمييز بين ” البلطجي – ورجل السياسة ” ولا بين الثرثار والمتطرف، ولا بين هذا وذاك،  كلهم يفهمون في السياسة وهم بالحقيقة يدعون ذلك ، هم عديمو الفائدة على المستوى النظري وعلى المستوى العملي ولا يمكن أن تقدم تصوراتهم حلولا للأمة أو الشعب الذي ينتمون إليه . إننا نحار حيال التفريق بين أنساب الصعاليك وبين سادة المجتمع هنا ، ويصعب حتى استحضار فئات المجتمع كما كنا نفعل بخصوص تلاوة تاريخ المجتمعات الأوربية  القديمة ، نجده جميلا وعميقا ومندسا وتفاصيله جليلة . و في ابن جرير يحدث ما لم تعشه كل الأجناس البشرية،  يشبه تعقل فلاح قروي جاهل كثير المال بدرجات تحسبها تتفوق على  التفكير المدوي ” لبول سارتر ” وهو يحلل نظريات تمجد الذاتي وتلتقي ونفس مستويات تفكير رئيس بلدية قروية أو مجلس حضري أو تفكير نفس بعض مدراء المؤسسات العمومية بهذه المدينة ، وقد يتميز ” بلطجي يدير سخافات” البهلوان ” بكرنفالات كرة القدم وغيرها وأمام أسياده، بما يجعل الإستيلاب الفكري مقبول عند السطحين الذين لا يجيدون غير هذا الاقتراح .

في الحقيقة لا شيء تغيير هنا ولن يتغير لغياب الفكر والنبل والتواضع ، وغياب النضج والطهر السياسي وغياب الإنسان،  وغياب الثقافة والممارسة السياسية المتجردة من الجهل المركب ومن الضغينة والمؤامرة وأسلوب  المراقص الليلية .

سنقف مشدوهين بعد أن تكون المدينة الخضراء قد انتهت كل أوراشها ، بعدها ستشعر الأجيال هنا بالمرارة أقصاها وبالعزلة والحضيض ، وبأن السياسة المتبعة التي تحولت بفعل إرادة نخبة كتبت عن نفسها أنها ” إصلاحية ” لم تكن سوى  ديباجة فهرس تدير فقراته عصابة سيرت  شؤون معسكر للمجانين بأسلوب سياسوي جعل من الجبناء والمجرمين وقطاع الطرق وأبناء العاهرات والقوادين ” لمبيات زمانهم ” أما حال المدينة حين ذاك سيكون فضائها مليئا بالسوء وأنواع المحرمات ، ووسط الأشرار ومدينة خضراء يسافر سكانها الفضائيون على المكوك ولا يأكلون لحم مدينة ابن جرير و لا يستحمون كأبناء ابن جرير ولا يعرفون ابن جرير ، سيكون أحفادنا هم حرافيش العاصمة موقاديشيو بعد الحرب التي عمرت طويلا فيها وأنهت وجود الإنسان .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.