المقامة الاستبدادية: هدية إلى شباب 20 فبراير 2011 المغاربة الأحرار الرافضين للاستبداد
أحمد ابن الصديق
بمناسبة الذكرى الثانية لانطلاق الحركة التي تتزامن مع استمرار تصرفات الإهانة والإذلال مثل تقبيل أحذية السلطة والتي تذكر بحادثة إطلاق الرصاص على شرطي المرور…
حدثنا أبو المحاسن المراكشي قال:
بعد عشية قضاها يقذف الكرات في الـحُـفَر، بعيدا عن متاعب البشر، خرج الرجل الشريف من مسالك الغولف وحدائقه، مستغنيا عن سائقه، فامتطى دابة رائعة، لها أربع قوائم دافعة، مـحركها ذو بغال وأحصنة، وزينتها كقصر الفراعنة. فانطلق صوب الكورنيش انطلاقا، لا يبالي عياء ولا إرهاقا، فلما اقترب من َضوء الإشارة، بين المقهى والعمارة، لم يَأبَهْ باللون الأحـمر القاني، فاخترقه في بضع ثواني، فإذا بالشرطي يستعمل الصفارة حتى أوقف السيارة، ثم سلم على السائق، وطلب منه الوثائق، وتصفحها بدون عائق، ثم قال: يا سيدي الموقَّـر، اخترقتَ الضوء الأحـمر، وقد علمتَ ذاك الخطر، ولو تسببتَ في حادثة، لكانت هي الكارثة، فأجابه الرجل: دعني من خطرك يا فلان، أنـا مِن صفوة الأعيان، مثلي لا يُعاتب، ولا يُساءَل أو يُحاسَب، بل يُمدَحُ إذ يُخاطَب، فلا تضيِّع لـيَ الأوقات، وكفى من التُّـرهات، وارضخْ لأمري بسرعة، وإلا عالجتُك بصفعة، وشوَّهت لك السمعة، أو دفعت لرئيسك رُقعة، ليقـذفك لأبعد بقعة، فتندم على تلك الصنعة، ولا تجـفُّ لك دمعة.
فأجاب الشرطي: يا سيدي أنا خاطبتك بلباقة، ولم أخرج عن اللياقة، وذكّرتُ مبادئ السياقة، والطريق مشترك للجميع، فلا شريف ولا وضيع، وللسياقة أعرافٌ وقانون، وأنت أدرى بـهذه الشؤون. فاستشاط الرجل غيظا وانتفخت له الأوداج، واضطرب له المزاج، ثم صاح: يا فتى، أما قانونُك فهو للدهـماء والضعاف، أعامله باستخفاف، أدوسه بالأقدام ولا أُعيره أيَّ اهتمام، وأنت يا سليل البخوش، رغم وجهك البشوش، فمكانك تحت حذائي وستبقى موضع ازدرائي، ولن ترقى من أرضك لسمائي، ومن حضيضك لعليائي، أنا من أخصِّ الخاصة وأنت من غوغاء العامة، نـُهينكم إلى يوم القيامة، أرأيتَ لو أطلقتُ عليك الرصاص، من أين يأتيك الخلاص، وهل لك من غضبي مناص؟ ألا تعرف الأصول والآداب وحدود السؤال والجواب؟ هل نسيتَ أن حَرَمي عمّة ويا لـها من عمة، تلك قرابة ذات منافع جَمَّة، ومهما فعلتُ فأنا بريء الذمّـة، رغم أنـفِك ورغم أنـف الأمَّة، ورغم أنـف ذوي المروءة والـهِمة.
ثم ترجَّل من دابته لمسدسه شاهرا، وللمارة باهرا، فأفرغ طلقة على المسكين، أصابته في الساق اليمين، فسقط يصرخ ويستغيث، في هذا اليوم الخبيث، وما هي إلا لحظات حتى شاع الخبر، وكثر اللغط والضجر، واجتمع رجال السلطة، ليتداولوا في هذه الورطة، فهذا للدرك قائد، صحبته كثيرة الفوائد، وهذا وكيل في المحاكم، رأيُـه في النوازل لازم، وهذا على المدينة والي، ينادى يا صاحبَ الـمعالي، وآخر عن الأمن مسؤول، كل يوم باله مشغول.
قال أحدهم: طبقوا فصول القانون، ورزقكم دوما مضمون.
قال الثاني: أوقِـفوا هذا الذي يصوِّب لغيره السلاح، وينقلب و باله مرتاح.
قال الثالث: أرجوكم أن تُعمِلوا المسطرة وتكُفُّوا عن الثرثرة.
فبينما هم في هرج ومرج، حتى رنت الهواتف النقالة، وفي ذاك أكثر من دلالة، ثم أذَّن مؤذن من العاصمة، ونشرت وكالة الأنباء فتوى صارمة، تفيد اكتشاف مرض الكورساكوف، الذي أمْلَتْه الملابسات والظروف، فأصابَ الصهرَ العزيز، وأفقدَه حُسن التمييز، فأصبح لا يفرِّق بين رصاصة وقُبلة، ولا بين شرطيٍّ ونـملة، وما رخصة السلاح إلا خطأ بسيط، لموظف ضعيف التنقيط، ومن أصابه داءٌ بين الضحى والعشية، فلا جناح عليه فيما ارتكب من بلية، فلا اعتقال ولا مساءلة، ولا تحقيق ولا مـماطلة، إنـما التقدير وحسن المعاملة، ليغيب القانون عن المعادلة، ولكن اللوم على الشرطي العنيد الذي سولت له نفسه والنفس أمارة بالسوء، أن يتجاوز اللباقة والهدوء، فيعترض بجرأة وحركة عنيفة، طريق الرصاصة الشريفة… لقد كان حريًّا به أن يفسحَ لها الطريق، ويبديَ لها الاحترام العميق، ولو كان ذكيا لسجَّل مخالفة على الضوء الأخضر، الذي أزعج الشريف الأكبر وانقلب بلا حياء للأصفر ثم الأحـمر، أو لأسرع باعتقال مهندس الأضواء، ومدير الماء والكهرباء وعمدة المدينة البيضاء.
وبـهذا الاكتشاف الطبي النادر، انتهت الأزمة منذ البوادر، وبأدنـى الخسائر، بلا محاكمة ولا صائر، فيا عجبا لهذه الظواهر: شرطي جريح عند الطبيب يعالجه، وصهر شريف لا ضمير يؤنبه أو شعور ندم يخالجه، ثم وزير عدلٍ عن الكلام صامت، و برلمانٌ مطأطئُ الرأس باهت، وإعلام رسمي إلى البهتان سابق ، وبالزور ناطق، وفي النفاق غارق.
و بعد مدة يسيرة أُقيم لصاحب المسدس الشريف مهرجان زاهر، حضره المصابون بمرض الكورساكوف في المستقبل والحاضر، فتزينوا بالرياحين، وطربوا بالموازين، فاستقبلوه بالأزهار وأنشدوا له الأشعار، وهنئوه على نظرته البعيدة، وشجاعته الباهرة الفريدة، وقالوا ليتك أجهزتَ على ذلك المخلوق ذي القيمة الزهيدة، فشكرهم وأهدى كلاًّ منهم علبة من اللؤلؤ الـمُمَرد، بداخلها مسدس أسود، احتسابا لشرطيٍّ به بقية من كرامة، أو دركيٍّ له مِسحة من شهامة. ثم ضرب لهم موعدا بعد بضعة شهور، مبشرا بما سيحل من ويل وثبور، وعظائم الأمور، بمدينة جبلية وادعة، في أحضان الأطلس قابعة، سينصبُّ صبا على محامية مـمانعة، وبِجُور الخالات غير قانعة، لتكونَ عبرةً لرؤوس يانعة، ثم قـال : أصيخوا ليَ الأسماع، وخفِّفوا من الإيقاع، وكفوا عن الأكل والشراب، واسمعوا فصل الخطاب: هذا ما أدركتُه بفِراستي النادرة، ومعارفي الغزيرة الوافرة. ستكونُ ليلةٌ ظلماء، تكفهر خلالها السماء، وتـهب عاصفة هوجاء، وتأتي لحظة غضب شديد، يؤججها شيطان مريد، فيكثر الوعيد والتهديد، فإذا هي عصيٌّ وخناجر، وجرحٌ في الخد غائر، ودم مسفوح فائر، فأصغوا يا أصحاب البصائر، واتعظوا قبل أن تدور عليكم الدوائر…
وبعد أيام ولياليَ قلائل، كثر الكلام بين مجيب وسائل: أين اختفت المساواة أمام القانون، التي تغنَّى بـها التلفزيون؟ و تساءل آخر: هل عدنا لعصر الأسياد والعبيد، والقبضة من حديد؟ أين الدستور الجديد ؟ وأين مفهوم السلطة الجديد، هل اصطدم بصخر شديد، أم ذُبح من الوريد إلى الوريد ؟ فتساءل الجميع : أين الدستور الجديد؟ أين مفهوم السلطة الجديد؟
حتى جاء رجل يسعى من أقصى المدينة، عليه علامات الوقار والسكينة، فأقفلت المتاجر والأسواق، واشرأبَّت له الأعناق، وصمتَ الناس عند قدومه، ليستفيدوا من حكمته وعلومه، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على الرسول وصاحبَيْه، فكان بليغا كسيبويه، تكلم فأوجز، ووعَد فأنجز. قال: أيها القوم، يا من خدعكم الوهم والسراب، وبـهرتكم الأوصاف والألقاب، وعدوكم بزمن العدل والمساواة، فاستمر زمن العمَّات والخالات، وأصحاب المسدسات، وتكديس الثروات، وغموض المصطلحات. أيها القوم، استيقِظوا من المنام، واطرحوا عنكم الأحلام، ولا تتمسكوا بالأوهام، وتربصوا بضعة أعوام، لم يعش المفهوم المسكين إلا لحظة عابرة، ثم فاضت روحه الطاهرة، تحت ضغوطاتٍ قاهرة، وحيث أن عقولكم يقال عنها قاصرة، فلا تسألوا عن أسباب خافية أو ظاهرة، تلك إذاً كَرَّةٌ خاسرة.
وإن سمعتم عن إصلاح القضاء، أو تشابـهت عليكم الأسماء، فالعدل لا تمطره السماء، والظلم لا يكفيه البكاء، فلا تبالغوا في الاحتفاء، أو تصفقوا كالبسطاء، فتندموا ذات مساء، فما ذاك إلا تـمرين في الإنشاء، يلهو به ذوو الأهواء، كأي مفهوم أو تعبير، يعِدكم بأحسن تغيير، ينمو لوقت قصير، ويـملأ الفضاء والأثير، ويستهلك المال الوفير، ويُرفع في شأنه تقرير، ثم يُكَذبه الواقع المرير، فيلقى نفس المصير. ظاهره مصالحةٌ وإنصاف، وباطنه غيٌّ وإجحاف. فأقيموا على مفهومكم الفقيد صلاة الغائب في المساجد، وترحموا عليه ترحم الخاشع العابد، واسألوا الله الصبر في الشدائد، واطلبوا العون من الحي القيوم الواحد.
حددوا الأهداف الواضحة، واغتنموا الفرصة السانحة، واستجمعوا أسباب الثبات، ووحِّدوا الصف والكلمات، فإن الشباب لا يساوِم، وطاقته لا تقاوَم، خياراته سلمية، وحلمه العدل والحرية، فاطرحوا الخوف والانـهزام، وتجاوزوا أسباب الخصام، فليس الاستبداد إلى دوام، وليس الاستبداد إلى دوام، وليس الاستبداد إلى دوام.

