ولدت الثورات العربية صدمة ضخمة جدا لقطاعات كبيرة من الناس ،بسبب غيبتهم عن شدة بؤس الواقع الذي يحيط بهم أو بسبب حسن خيبة ظنهم الساذج في شخصيات و رموز تكشفت حقائقها المخزية، أو بسبب ظهور مطامع و أحقاد حقيرة من جهات كانت تعد في مقام السند و المعين. و السبب في هذا كله أن هذه الجماهير لا تزال تحكم عواطفها البريئة و الساذجة بدلا من التعامل بعقلانية و حكمة مع الشخصيات و المواقف, إذ ليس كل ما يلمع ذهبا. من المؤسف أن الغالب على جماهيرنا و نخبنا هو إتباعها لكل من يروج للحرية، و المساواة، و الديمقراطية، و تبادل الآراء، و التقدم ،و نبذ العنف، و الاحتكام لصناديق الاقتراع،… دون فحص و تمحيص لحقيقة من يرفع هذه الشعارات و دون تبصر بحقيقة تكوينه و مرجعيته الفكرية ؛و ذلك حينما كانوا متحالفين مع الديكتاتوريين في تونس و مصر و ليبيا و لكن حين زالت هذه الديكتاتوريات و توافق الجميع على مدح الثورات و الإعجاب بها و حمد الله على تغير الحال ،سرعان ما نكس العلمانيون اللبراليون على أعقابهم. فرغم أن الإسلاميين كانوا مقموعين طيلة ثلاثين سنة ماضية في مصر و تونس و أزيد من أربعين سنة في ليبيا؛ و كان العلمانيون خلالها يتربعون على سدة وسائل الإعلام و الثقافة و التعليم، إلا أنهم يدركون الحقيقة و هي أنهم طفيليون على المجتمع ،و ليست لهم جذور فيه أو انتشار، فلذلك لجؤوا إلى تنظيم المظاهرات في تلك الدول للمطالبة بإلغاء ما أفرزت عنه الديمقراطية من حكومات لم تكن على هواها، فكان الانقلاب على الشرعية و إعلان الحرب عليها. و بعد أن كانوا يعتبرون أن العلاج لتعثر انتشار أفكارهم العلمانية الخبيثة و اللبرالية الحقيرة و اليسارية المتخلفة و الإلحادية الكفرية ،هو بالمزيد من الديمقراطية أصبحوا اليوم من ألد أعدائها و يطالبون بإقامة أنظمة عسكرية بدلا من الدولة المدنية الديمقراطية التي كانوا ينادون بها من قبل و ذلك عندما رأوا أن السفينة لم تكن في الاتجاه الذي أرادوه . انه موسم تساقط الأقنعة العلمانية، و لكن لو أن الأمة عدلت من مسارها بالبحث عن الخلفيات الفكرية و التاريخية للعلمانيين من أول الأمر ؛لتجنبت الكثير من الويلات و السقوط في مطبات قتلت ألوف المسلمين قبل أن يسقط الديكتاتوريين.