كل اهتمام بشؤون السياسة لا ينظر صاحبه إلى الكليات و الجزئيات على حد السواء نظرة متوازنة و جدلية تربط هذا بذاك، و تقرأ التفاصيل الصغيرة في ضوء التوجهات الكبرى، هو اهتمام عقيم و اعمى، و كل اغراق في العلموية يبعد الباحث عن الانفعال و التفاعل الطبيعي في الإنسان مع القضايا التي يعالجها هو اتجاه بالعلم و الانسانية معا صوب البربرية و التفاهة. عتبة كهذه ضرورية للخوض بالنقل و التحليل في حادثة كان يمكن ان لا يهتم بها احد اوان تكون مجرد خبر في جريدة محلية بائسة !!!.
صفحة اخرى من صفحات البؤس و القهر تطوى او يراد لها ان تطوى.. و لم يئن الوقت بعد كي تحترق بغيضها و تحرق الكتاب باكمله..لا يتورع المسؤولون في هذا البلد الجريح عن اتخاذ قرارات من النوع القاتل و الصادم والحارق .. المهم ان يطول الالم اوان يذكروننا به او يذكرونا على الاقل انهم موجودن فقط لايلامنا. خلال اليومين الماضيين قرر المكتب الوطني للكهرباء بمدينة ابن جرير الصغيرة النائمة في حضن الوطن ان يسحبوا عدادات الاسر التي لم تدفع ثمن فواتيرها.
من بين من تم سحب عداداتهم احد السكان الفقراء الذي توفي اثر امتعاضه من عملية السحب، علاوة على حالات اغماء اخرى، و يبدو ان الوكالات المستقلة للكهرباء و المكتب الوطني للكهرباء يحتفلون مع المغاربة كل سنة على طريقتهم الخاصة، ثم سرعان ما تنظم الشرطة إلى الاحتفال مهنئة الاجساد المحترقة بالهراوات.. السنة الماضية في مثل هذا التوقيت اشتعلت مراكش بمظاهرات رافضة للاسعار الغير معقولة و قوبلت بكل صنوف القمع و التعذيب و الملاحقات، و هذه السنة تريد ادارة مكتب ابن جرير ان تبصم عن حضورها القوي .. سيما و انها استقبلت مديرا جديدا..
يكفي ان يكتب احدنا الماء و الكهرباء بالمغرب على محركات البحث حتى يفاجأ باعلى نسبة من الاخبار التي تهم القطاع تتعلق بالاحتجاجات على غلاء اسعار الفواتير، ويتذرع غالبا المسؤولون في هذه الوكالات و المكاتب المدبرة بان الوعاء المالي يعاني الشح نظرا لتقاعس السكان عن اداء الفواتير !، فعلا السكان يتقاعسون و هم يملكون المال الوفير و يسكنون الفيلات الفخمة و يركبون السيارات الفاخرة !. في حين لا يزعجهم مطلقا هدر الطاقة الكهربائية الغير معقلن و الغير متناسب مع ما يتوفر عليه المغرب منها من كميات متواضعة .
البسطاء الذي يشكلون السواد الاعظم في المغرب ممن يعيشون البؤس و الفقر يدفعون إلى جانب ثمن استهلاكهم من الكهرباء عددا مهولا من الضرائب الغير مباشرة بدءا بالضريبة على القيمة المضافة و انتهاء بالضريبة على التلفزيون العمومي الذي لا صلة له بأي شيء في المغرب و لا دور له الا التطبيل لتنمية زائفة. و من تسول له نفسه ان يعترض على ما يفعله هؤلاء فمصيره القمع و السجن و هلم جرا.
في وطننا لا يزال الإنسان البئيس يدفع تعويضا عن تأخره في دفع ثمن فاتورة غير قادر على دفعها، و حينما يعجز عن دفع ثمن الفاتورة و التعويض عن التأخر في الدفع يتم سحب عداده و يصبح مطالبا بتعويض اكبر كي يعيد العداد !!، و اذا احتج على من يزرعون الظلام في البيوت و يمنعون اعين الصبية عن ملامسة نور الاوراق يُـقمع و يسجن و يقتل غدرا .. و لا من يبالي …. هكذا يعالج العباقرة فقر الجيوب !!.. هكذا ينظر للانسان في وطني.. و هكذا يعامله من ينظرون لتنمية لا تبقي فقرا و لا تذر .
بعد كل هذا يطالبنا البعض ان نبقى اكاديميين و ان لا ننحاز و ان نترك العواطف جانبا .. اذا كان تسجيل وقائع من هذا النوع و بتأمل لا يعني شيئا الا ان المتأمل انسان يقدس الإنسان فليذهب إلى الجحيم كل علم لا ينحاز إلى البسطاء و الكادحين و المحرومين و المقموعين في كل مكان ….و لتشهد يا وطني و لتذرف الدمع فالإنسان لا يساوي ثمن عداد كهرباء ..