قد لا نستغرب فيزيائيا يزهو بانجازاته، أو موسيقيا بمعزوفاته، أو حتى تاجرا يفخر بنجاحاته و انجازاته في ميدان المال و الأعمال، نغبطهم و ربما نحسدهم أيضا على مواهبهم و قدراتهم، لكن نتفهم و نتقبل أن يملأ الواحد من هؤلاء الدنيا ضجيجا و صدحا بالحديث عن انجازاته. لكن كل الدهشة تتجه صوب من يتكلف متطوعا بخدمة عموم الناس و يفوض له الناس كل الأدوات للقيام عنهم بما هم ليسوا مؤهلين له أو غير متفرغين و مستعدين لادائه، نندهش حينما لا ينثني هذا عن تذكيرنا كل مرة بأنه أنجز أمرا خارقا لم و لن يتحقق منه شيء مع غيره في مكانه هو.
يغتنم كل مناسبة و غير مناسبة لتذكيرنا بانجازاته، ليس بمنطق من يعرض نتيجة عمل موكل له القيام به على صاحب الشأن بهدف إبراء الذمة أو سماع التقييم، و لكن بمنطق من يمن عليك أن فوضت إليه القيام بعمل تطوع هو أساسا للقيام به !، مثل هذا التمثل لا يمكن أن يوجد إلا لدى من يفهم المهنة السياسية بمنطق الغنيمة، وإلا لكان الأحرى به أن لا يمتعض من نقد أو أن يُلبس أصحابه لبوس المتآمرين و الحاسدين !!
وإذا تسامحنا مع هذا المستوى من الفهم و التصرف، سوف لن يكون بمقدورنا أن تقبل أن هناك فئات عريضة لديها فهم آخر لفكرة “الانجاز” نفسها، بحيث أنهم لا يرون في نواتج المسؤولين الرافضين للمساءلة والناعتين لمن يسائلهم بأقبح النعوت- لا يرون في “انجازاتهم” انجازا يذكر، على الأقل يجب أن يضع المُفاخر بانجازاته نصب عينيه التقييمات المخالفة مادام الأمر يتعلق بتدبير الشأن العام، و له أن لا يأبه بمن يقلل من قيمة انجازه إذا قرر أن يبني على سطح منزله هرما للذكرى مثلا !!!.
أيضا ما يعد انجازا إذا كان كذلك فهو واجب وليس منة من احد و أفضله ذلك الذي يرافقه صمت -أضعاف حجمه- عن التطبيل له، كما انه ليس كافيا ولن يكون كافيا فالشأن العام لا يرتوي و لا يشبع إذا كان المسؤولون عن تدبيره يعتبرون أنفسهم خدما كراما متطوعين، وليس تقديس فكرة الانجاز بالقدر الذي يصبح معه المرء يرى حتى في إخفاقاته انجازات وخوارق، أو أن يهرع إلى صم الآذان عن كل نقد و اعتباره مجرد حقد لاغير.
أما بخصوص الدور الذي تلعبه المنابر و هي كثيرة، فهو للأسف في اغلب الأحيان دور المنحاز إلى دعاية ” الانجاز” و صرف النظر عن ما يقابلها ممن لديهم وجهة نظر أخرى، و اعتقد أن العمل الثقافي حامل هام لمثل هذه الأدوار و أداة لترجمتها، على الأقل لأني اعرفه جيدا و اعرف الأدوار التي يمكن أن يلعبها وحدودها، و اذكر في بلدتي الصغيرة هذه ذات يوم أني كنت اعتقد صادقا أن تدبير الشأن المحلي من لدن أناس لديهم مستوى تعليمي جيد و تراكمات في الخبرة قد يحفظ للعمل الثقافي دوره و استقلاله، ففوجئت بان مشروعا ثقافيا صرفا يواجه بكم هائل من اللامبالاة و الحط من شأنه و السخرية من طرف البعض.
أيقنت يومها كم كنت غرا حينما اعتقدت انه يمكن ممارسة الفعل الثقافي الرصين دون أن تمشي في ركب المانحين أو الآمرين بالصرف على الأصح، و حينما وجدتهم يشترطون ضمنا أن تجاريهم في السياسة كي تمارس الثقافة بأريحية !، أو على الأقل أن تكون محايدا في السياسة و الحياد فيها جريمة، لم استسغ ذلك وكنت يومها مُجازا في علم السياسة حديثُ العهد، و معلوماتي جيدة حول ما يجري تحضيره محليا ووطنيا في السياسة.
وتذكرت يومئذ حادثة جرت لأحد أصدقائي حينما كنا عازمين على تصوير فيلم للهواة، و بمجرد أن طلب دعما من مسؤول جماعي في صورة عربة نقل لبعض الديكورات و المعدات، أجابه المعني بالأمر بان هذه مجرد أمور تافهة و ليست ضمن اهتماماته الجماعية !، كانت ردة فعل طبيعية من مسؤول يرى في المسؤولية غنيمة ولا حاجة له في أن يبرر العكس عبر الرسملة على الثقافة و ما جاورها.
لكن الخطير في الأمر أن من يرسملون اليوم على الثقافة هم من همشوها في بداية تجربتهم و همشوا الفاعلين و بمجرد أن ظهر لهم مع تصاعد موجة الاحتجاجات الشبابية أهمية احتواء الشباب، جرى الاستقطاب و الالتفاف و تحويل العمل الثقافي و ما ماثله إلى أبواق تطبل للانجاز، انجاز لا يعيبه في نظرهم انجازات أخرى محايثة لأشخاص كُثر مست حياتهم الشخصية و نقلتهم إلى مستويات أفضل !، و أيضا لا يضيره أن يكون جميلا و رائعا و جزءا من تحولات شاملة ! شريطة أن يكون المثقفون الذين ينقلونه إما أبواق منحازة أو أبواق صامتة مخاتلة و مخادعة في انحيازها، بحيث تهيم بحثا عن الميكروفونات متغاضية عن كل ما يجري وان كان ما يجري يمس لقمة عيش البسطاء.
اي ثقافة او علم او فكر او فن او ماشابه لاينحاز لمصالح هؤلاء البسطاء و يفضل عليها اللمعان فلا يستحق ثمن الوقت الذي نصرفه كي نطلع على فحواه ولو بغرض ممارسة النقد عليه.