ينصر الله هذه الأمة بضعيفها

0

انطلق الربيع العربي، بانطلاق عربة البوعزيزي بتونس في حصد الأنظمة الاستبدادية الجاثمة على أنفاس  ملايين البشر لعقود عديدة،  و التي لم تنفع معها وصفات الانقلابات العسكرية و المخططات التحررية في قلب موازين القوى و إعلاء كفة الحرية و الخلاص من الاحتكار الأبدي للسلطة، و لم يدري بن علي و زملاءه من الحكام المخلوعين أن إرادة الشعوب في التحرر تغلي في أحشاءهم غليان الماء في التنور، رغم إخفاءهم مظاهرها و مشاعرها، و يمكنها الانفجار في أي لحظة و حين، دون أن تجد لها كابحا إلا اندحار النظام الفاسد، حيث لا وجود لسلطة المال و الإغراءات و المقايضات في عز الثورة، و أن لغة التهديد و الاعتقال و حصص التعذيب المتنوعة والتصفية الجسدية، لا تعدوا سوى لحظات لذة و انتشاء بالنسبة للمؤمنين بها، و تبقى نذوب سياط جلاديهم نياشين و أوسمة شرف على أجسادهم، و يبقى شريط أحداث التاريخ يذكر أقطابها في كل مناسبة و  تصير سيرهم أطروحات و ظواهر تتناولها المعاهد و الجامعات.

ليث ما بقي من الأنظمة المتجدرة في التسلط، أدركت أن هذه الأمة ينصرها الله بضعيفها، و كيف لا؟ و أن البوعزيزي من أفقر التونسيين، أليست الحياة هي أغلى شيء يتشبث بها الإنسان؟  الم يكن يدري أن ما أقدم عليه  هو جناية و جرم في حق نفسه؟ حتما هي أسئلة كثيرة تختلف أجوبتها باختلاف خلفية المجيب عنها، لكن يبقى القاسم المشترك بين جميع الأجوبة، هو العامل المؤدي إلى المحرقة و الذي يرجع بالأساس إلى الإحساس بالذل و المهانة، في بلد يتغنى حكامه بالديمقراطية، و هو لا يجد مسلكا مع رجال الأمن الذين يلاحقونه و عربته أين ما حل و ارتحل.

هي المحرقة نفسها التي تكررت بشكل ملفت إبان ذروة الربيع العربي، وهي الصورة نفسها التي تابعناها على اليوتوب “لفدوى العروي”، وهي تصيح منددة بالظلم التي لحقها و أسرتها في منظر تراجيدي تهوي لرؤيته الأفئدة ولحمها يتساقط ويتهاوى على الأرض ملتهمة إياه النيران، دون أن تلقى قضيتها التفاتة أو عناية خاصة، ودون أن يفتح تحقيق نزيه، ينقب عن الدوافع التي أدت بها إلى تلك الحالة، و رد الاعتبار لها كمواطنة و لو بعد وفاتها.

 هي الصور نفسها تتكرر و تلتقطها العدسات من هنا وهناك و لا أجوبة تشفي الغليل، إلا مصطلحات من قاموس التسويف والرجاء، دأبت على حفظه و امتهانه كل الحكومات المتداولة على السلطة، وخطابات النوايا الحسنة، دون أن نرى لها تأثيرا في الواقع، حيث نسمع اليوم خطابا طوباويا و غدا نقيضه دون مبرر معقول، تارة تحت تبرير الساحرات والتماسيح و العفاريت، وتارة أخرى تغلغل تيار ممانعة التغيير بدواليب الدولة و مسامير “الميدة”، حقيقة كلها أعذار أقبح من الزلات،لأن إرادة التغيير لا يمكن أن تضاهيها أو توأدها أي إرادة للفساد، لسبب بسيط و هو أنها تستند للمشروعية والشرعية.

عربة البوعزيزي حلت ضيفة على بشار الأسد بالديار السورية، وهي حتما ستخلعه من حيث لا يدري، وحتما ستواصل لعنة البوعزيزي طريقها  في قطف كل رؤوس الاستبداد، فلينتظرو، إن ناظره لقريب.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.